من حضر فعاليّة "حبّات القلوب"، والتي أُقيمت على مسرح رسالات، لم يكن يخطو بقدميه؛ بل نبضاتُ قلبِه كانت تسيرُ بكلِّ ما فيها من غضب وحزن ومقاومة.
في المَمر المؤدي إلى القاعة؛ نُصبَت طاولات عريضة وُضِع عليها شتلاتٌ صغيرة من الزهور والحبق؛ وكأنَّها تحمل في ثنايا عطرها أرواح تلك الوجوه البريئة؛ حتىٰ تنمو وتقاوم ذاكرةَ أُمّةٍ تُدمنُ النسيان، بالقرب من تلك الزهور تستقبلُك أيضاً جدارية مُعلقٌ عليها البعض من صور الشهداء الأطفال، فرُبّما لم تتسع تلك المساحة البيضاء للملمة كلّ تلك الأكفان الصغيرة.
على خشبة المسرح حرص القائمين على مبادرة "حبّات القلوب" بعرض بعض أشلاء الألعاب والدمى والقصص ومتعلقات الأطفال الشخصيّة الذين رحلوا بعدما استهدفهم العدوان الإسرائيلي، وبقيت آثارهم تلهو وتسخر من تلك القوانين الدولية التي أصابها الصمم والعمى عن جرائم الجلاد.
"حبّات القلوب" مبادرة توثيقية تُعيد للأطفال الذين ارتقوا شهداء، في العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان، أسماءهم وقصصهم، فتحفظ ذاكرتهم الإنسانية وتشكّل أرشيفًا يمكن الإفادة منه في المسارات الإعلامية والفنية والقانونية في المستقبل.
حظيت مبادرة الدكتور حسام مطر، برعاية وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين ورئيسة لجنة المرأة والطفل النائبة الدكتورة عناية عز الدين وحضور نواب وناشطين مثقفين وكتّاب وصحفيين، والذين شاهدوا فيديو يعرّف المبادرة ويعرض عرض صورا لأطفال شهداء قضوا في العدوان.
"أسيل شرارة" أمل الطفولة
الطفلة الناجية "أسيل شرارة" فقدت إحدى عينيها وعائلتها في مجزرة بنت جبيل، قدمت صوتاً يختصر وجع الطفولة وآمالها في السلام؛ قالت: "كانت هناك أسماء أناديها، لكنّ أحدا لم يعد يرد. سأكبر لا لأنتقم؛ بل لأقول الحقيقة، إننا كنا هناك وإن الطفولة قُصفت. إنني جريحة، ولكنني ما أزال واقفة. وسيبقى لكل شهيد اسم ولكل طفل حكاية".
الوزير ركان ناصر الدين الذي تصدر الحفل؛ تأثر بكلمات الطفلة أسيل، كونه شخصياً عبر في كلمتهِ عن تجربته بصفته طبيبًا مع الطفلة؛ فلت إلى أنّه شعر بعظمة رحمة الله عندما رأى أسيل تسير على قدميها. "فهي رسالة أمل، وهناك الكثير من رسائل الأمل التي تنتظرنا".
تروي والدة أسيل كيف كان لحظات سقوط الصاروخ إلى جانب سيارة العائلة؛ تقول:" في ثوان انتهت حياتي كما كنت أعرفها. رأيت زوجي وأطفالي ينتزعون مني أمام عيني. رأيت أجسادهم ممزقة، ورؤوسا شبه معلقة بلا ملامح، وأشلاء متناثرة على جسدي وجسد أسيل، ودماؤنا جميعا قد اختلطت للمرة الأخيرة داخل تلك السيارة التي كانت تجمعنا.."
أي حقد يستطيع أن يفعل ذلك بأطفال أبرياء؟ بأي ذنب قتلوا؟ وفي أي حرب كانوا يشاركون؟ هل كانت ألعابهم خطرا؟ وهل كانت ضحكاتهم تهديدا؟ أي قانون في هذا العالم يسمح بأن تقتل عائلة كاملة بهذه الوحشية؟".
"من هذا المكان سنرفع أصواتنا وسنمضي في طريقنا بالأمل والعزيمة والإصرار، إلى أن يصل صوت الحق. وإن أغلقت الدنيا أبوابها، فإن باب عدل الله لا يغلق أبدا. العدالة الإلهية لا تضيع، ولا يفر منها ظالم، ولا يضيع عند الله حق مظلوم"...
700 شهيد من الأطفال
وزير الصحة ركان ناصر الدين نوّه فيها بمبادرة "حبات القلوب"، "لأنها تشكل خطوة أولى من نوعها لتوثيق فعلي وحقيقي لروايات وقصص الهمجية التاريخية للعدوان الإسرائيلي". وقال: "لكل قصة غصة ولكل شهيد رواية. وهم ليسوا أرقاما بل هم أطفال لهم عوائل وأمهات وآباء. وفي كل قصة جرح ومأساة ومعاناة وألم. إننا نذكرهم لكي نقاوم وننهض ولأخذ العبر وشحذ الهمم وتبيان الحقيقة".
أضاف: "الجميع يذكر في لبنان المجازر الإسرائيلية بحق الأطفال، طبعت في ذاكرتي مجزرة قانا ومن ثم مجزرة المنصوري والطفل الشهيد في سيارة الإسعاف. واليوم ننظر إلى الهمجية الإسرائيلية المتفاقمة بأكثر من 700 شهيد وأوكثر من 3000 جريح على مدى عامين، مما يشكل مخالفة كبرى لكل المعايير الإنسانية والاتفاقات الدولية". ولفت الوزير ناصر الدين إلى "صعوبة الحديث عن حبات القلوب وفلذات الأكباد، فكيف لا نكون أوفياء لهذه الدماء ولأصحاب الفضل في بقائنا ووجودنا"، وقال: "لولا دماء الشهداء لما كان هناك وزير يقف على منبر. ولما كانت حكومة تتخذ قرارات ولما كانت هناك استمرارية للبنان".
توقف ناصر الدين أمام شعار مبادرة "حبات القلوب" وهو شجرة زيتون، وقال: "إن أحد الأهالي في خلال جولتي في بلدة عربصاليم، أهداني جذع شجرة زيتون محترقا، لكنه عكس الثبات كثبات أهل الجنوب. فالعبرة أن نصنع ثباتا وننهض بمسؤولية عالية أمام التحديات رغم الحسرة الموجودة في القلب".
هل أكون أبًا أم طبيبًا أم مسؤولًا؟
بدوره، تحدث النائب إلياس جرادي في كلمة مؤثرة عن تجربته في معالجة الأطفال الجرحى ومعاينة الأهالي الذين استشهد أولادهم، وقال: "لم أكن أعرف ماذا أفعل، فهل أكون أبًا أم طبيبًا أم مسؤولًا؟ أضاف أنني آت إلى هنا لأعتذر من كل الإنسانية عن الذي شاهدته وعاينته. فقد كنت أتمنى أن أكتب للأطفال قصصا لكنهم صاروا هم القصة. وكنت أتمنى ألا تتحولوا إلى جرحنا الأكثر عمقا".
كما أشار إلى أن "القاتل واحد وهو الذي قتل الأطفال في جنوب لبنان وغزة ومدرسة ميناب الإيرانية ويبيد الإنسانية، وكل من اختار الصمت يتخلى عن محاسبة هذا القاتل"، مؤكدا أن "الأطفال سيبقون الأمل والقضية والرمز، ولن نتخلى عن قضايانا. هذا هو الوعد أن تبقى جراحكم قضيتنا". كما أعلن النائب جرادي إنشاء الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وهي ستتولى أيضا التوثيق ومتابعة المسار الطويل، مؤكدا أننا: "لسنا على الحياد في صراع الخير والشر".
الشهداء ليسوا أرقامًا
ختاما، استهل الدكتور حسام مطر كلمته بتعداد أسماء شهداء حديثي الولادة من ضمن أكثر من 40 رضيعا قتلتهم إسرائيل بأسلحتها الدقيقة، مؤكدا أن "تعداد الأسماء يهدف الى التأكيد أن الشهداء ليسوا أرقاما"، مذكرا بما "قاله الأمين العام السابق ل"حزب الله" الشهيد السيد حسن نصر الله: إننا لم نعد أرقاما ولن نعود كذلك".
أوضح أن: "من أهداف الإستعمار سلب إنسانيتنا وتحويلنا إلى مجرد أرقام، لذا فإن جزءا أساسيا من هذه المبادرة يهدف إلى المحافظة على الكرامة الإنسانية"، وقال: "يجب أن يحظى كل شهيد بتذكر دائم ومتابعة دائمة، فنحن لا نقل إنسانية عن أي أحد في هذا العالم".
لفت الى أن مبادرة "حبات القلوب" "تطوعيّة بدأت خلال الحرب، حيث تم جمع معلومات من لوائح وزارة الصحة العامة ووسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الإخبارية والإتصال بأسر الشهداء في بالبلدات والقرى للتأكد من المعلومات والصور، ولم تخل من صعوبات كثيرة بهدف الإستحصال على المعلومات الصحيحة".
كما وجه رسالة إلى الإعلاميين والصحفيين إلى محاولة أنسنة تغطية الأخبار أثناء الحروب، فعلى سبيل المثال: "إذا دُمر مبنى وأخبروا عن سقوط ضحايا عليهم أن يجهتدوا في ذكر أسمائهم والتعريف بهم".

كذلك لفت الى أن :"التوثيق كان بمثابة استنزاف وجداني"، وقال: "رأينا في الصور الكثير الكثير من الجمال والبراءة والفرح وفتية وفتيات بثياب التخرج وفي الميادين الاجتماعية وفي صور أعياد الميلاد وفي ضحكات أهاليهم. رأينا أولادا مميزين في مدارسهم، تنضح من نظراتهم وابتساماتهم أخلاق وتربية، وقد قتلت إسرائيل هذه الأحلام وهذه الطفولة بشكل متعمد ومنهجي".
دعا الدكتور مطر المواطنين إلى "المشاركة في التوثيق عن الشهداء والجرحى، مما يشكل من جهة فرصة للوصول إلى العدد الكامل للشهداء ومن جهة ثانية ليعبر المجتمع عن نفسه مما يسهم في تعافي هذا المجتمع"، داعيا أهالي الشهداء الأطفال إلى "تشكيل إطار وتحرك"، مبديا الإستعداد لدعمهم في هذا المجال.
كما أعلن الدكتور مطر الموقع الالكتروني لمبادرة حبّاب القلوب: https://Habbat.org وتوجه كذلك بالدعوة إلى الجهات القانونية والحقوقية "للإستفادة من المعلومات الموجودة لدى المبادرة"، مشيرا إلى أن "المعلومات الموجودة ستكون متاحة في غضون أسبوع باللغة الإنكليزية".
يبلغ قلق الحرب ذروته ثم يبدأ بالتراجع تدريجياً مع مرور الوقت.
العروض موجهة للأطفال من سنّ السادسة حتى الثلاثة عشر عامًا.
الأطفال قادرون على استخلاص استنتاجات دلالية قيّمة من كل المواقف.

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال