داليا فنيش/ متخصصة نفسية
تُعدّ الثقة من الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل السليمة، إذ تشكّل الأساس الذي يُبنى عليه شعوره بالأمان والانتماء وقدرته على التفاعل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين.
الطفل، منذ سنواته الأولى، يعتمد اعتمادًا كليًا على الكبار في تلبية حاجاته الجسدية والنفسية، ومن خلال أسلوب تعاملهم معه تتكوّن لديه صورة أولية عن العالم: هل هو مكان آمن يمكن الوثوق به أم مصدر للقلق والخوف؟
مفهوم الثقة عند الأطفال
يرى علماء النفس أن الثقة تبدأ بالتكوّن منذ الشهور الأولى من حياة الطفل، عندما يستجيب الوالدان لبكائه، ويقدّمان له الرعاية والحنان. يؤكد عالم النفس إريك إريكسون أن المرحلة الأولى من النمو النفسي (من الولادة حتى عمر سنتين) تتمحور في صراع بين الثقة وعدم الثقة، فإذا شعر الطفل بالاهتمام والرعاية تنشأ لديه الثقة، أما إذا تعرّض للإهمال أو القسوة فقد تتكوّن لديه مشاعر عدم الأمان.
كيف تكوّن الثقة في الطفولة المبكرة؟
من خلال مجموعة عوامل، أبرزها:
1. الاستجابة لحاجات الطفل الجسدية والنفسية في الوقت المناسب.
2. الثبات في أسلوب المعاملة وعدم التناقض بين القول والفعل.
3. استخدام لغة عاطفية إيجابية، مثل نبرة الصوت الهادئة والاحتضان.
هذه العوامل تساعد الطفل في إدراك أن العالم من حوله يمكن الوثوق به، وأن الكبار مصدر أمان ودعم.
أسس بناء الثقة مع الأطفال
هناك مجموعة من الأسس التربوية التي تسهم في بناء الثقة مع الأطفال، من أهمها:
1. الحب غير المشروط: أي أن يشعر الطفل بأنه محبوب لذاته، وليس لسلوكه فقط.
2. الصدق والوضوح: من خلال مصارحة الطفل بما يناسب عمره، والابتعاد عن الكذب.
3. احترام مشاعر الطفل وتقبّل حزنه وغضبه وخوفه من دون سخرية أو تقليل.
4. الاستماع الجيد: إعطاء الطفل فرصة للتعبير عن نفسه بحرية.
5. الالتزام بالوعود: لأن الإخلال بالوعود يؤدي إلى زعزعة الثقة.
دور الأسرة في بناء الثقة
تؤدي الأسرة الدور الأهم في بناء الثقة عند الطفل، كونها البيئة الأولى التي ينشأ فيها.
يتجلى هذا الدور من خلال:
1. اعتماد أسلوب تربوي قائم على التوازن بين الحزم واللين.
2. توفير الأمان العاطفي داخل المنزل، والابتعاد عن العنف الجسدي أو اللفظي.
3. التعامل مع أخطاء الطفل باعتبارها فرصًا للتعلّم، لا مبررًا للعقاب القاسي؛ فالطفل الذي ينشأ في أسرة داعمة يشعر بالأمان، ويكتسب ثقة أكبر بنفسه وبالآخرين.
دور المدرسة والمعلم في تعزيز الثقة
لا يقل دور المدرسة أهمية عن دور الأسرة، إذ يقضي الطفل جزءًا كبيرًا من وقته فيها. ويسهم المعلم في بناء الثقة من خلال:
1. خلق بيئة صفية آمنة خالية من السخرية والإهانة.
2. معاملة الطلاب بعدل واحترام.
3. تشجيع المشاركة والتعبير عن الرأي دون خوف. وتنعكس الثقة بالمعلم والمدرسة إيجابًا على التحصيل الدراسي والسلوك العام للطفل.

آثار الثقة في شخصية الطفل
يترتب على بناء الثقة مع الأطفال العديد من الآثار الإيجابية، منها:
1. تنمية الثقة بالنفس والاستقلالية.
2. القدرة على التعبير عن المشاعر والأفكار.
3. تكوين علاقات اجتماعية سليمة.
4. التمتع بتوازن نفسي وانفعالي. في المقابل، فإن غياب الثقة قد يؤدي إلى القلق، والخوف، وضعف تقدير الذات، أو سلوكيات عدوانية وانسحابية.
يتضح أن بناء الثقة مع الأطفال منذ الصغر يُعدّ أساسًا لا غنى عنه في عملية التنشئة السليمة. الثقة ليست مجرد شعور مؤقت، هي قاعدة نفسية راسخة تؤثر في شخصية الطفل ومستقبله. من هنا، تقع على عاتق الأسرة والمدرسة مسؤولية مشتركة في توفير بيئة آمنة وداعمة، تسهم في تنشئة جيل واثق بنفسه وقادر على الإسهام الإيجابي في المجتمع.
في لبنان 70.6% من التلاميذ يستخدمون الإنترنت أكثر من 3 ساعات يوميًا.
هناك معايير إذا وضعتها في الحسبان ستوفر عليها كثيرًا من عبء القلق والخوف.

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال