طفلك عنيد؟.. احذر في التعامل معه فقد يصبح قائد الغد !

طفلك عنيد؟.. احذر في التعامل معه فقد يصبح قائد الغد !

توصي التربية الإيجابية، بعدم "كسر" الطفل العنيد ولا "تمجيد" الطفل المطيع

يميل كثير من الآباء إلى مدح الطفل المطيع الذي ينفذ الأوامر من أول مرة، ومعاقبة الطفل العنيد الذي يجادل ويرفض، ويتمنون أبناء "مرتاحين" في التربية مطواعين في السلوك. لكن ما لا يدركه كثيرون أن ما يفضّلونه اليوم قد لا يكون الأفضل لمستقبل أبنائهم غدا.

لماذا نحب الطفل المطيع ونعاني مع العنيد؟

أظهرت دراسة منشورة عام 2015 في مجلة "ساينس دايركت" أن أفراد الطبقات العاملة والفقراء يميلون إلى الاهتمام بطاعة الأبناء أكثر من غيرهم، حتى لو تحققت هذه الطاعة عبر أساليب عقاب قاسية مثل الضرب، إذ تربط المجتمعات التقليدية الطاعة بالأخلاق واحترام الكبار وفهم حدود السلطة.

في المقابل، لا يرى الطفل العنيد نفسه "عنيدا"، بل يشعر أنه يدافع عن استقلاله ويريد أن يقرر بنفسه، فيختبر حدود السلطة ويسأل داخله: "ماذا سيحدث لو رفضت؟". أما الوالدان فيمران بمشاعر متشابكة، من فقدان السيطرة، إلى الإحساس بأن الطفل لا يحترم كلامهما، وصولا إلى ضغط اجتماعي يفرض أن يكون طفلهما "مؤدبا ومطيعا".

من هو المطيع ومن هو العنيد؟

في علم النفس النمائي -الذي يدرس تغيرات الفرد من الولادة حتى الشيخوخة- يفسر الفرق بين الطفل "المطيع" والطفل "العنيد قوي الإرادة" بوصفه اختلافا في المزاج:

الطفل المطيع: يستجيب بسرعة للتعليمات، يلتزم بالقواعد ويتجنب الصراع، ويميل إلى ضبط سلوك عالٍ، لكنه يعتمد غالبا على التوجيه الخارجي، وقد يواجه لاحقا صعوبة في التعبير عن ذاته أو خوفا من الخطأ وميلا للقلق إذا كانت طاعته زائدة.

الطفل العنيد قوي الإرادة: يميل إلى النقاش ورفض الأوامر التي لا يقتنع بها، ويتمسك برأيه ويبدو أقل انضباطا ظاهريا، لكنه يطور ضبطه الذاتي مع الفهم، ويتصف باستقلالية أعلى وقدرة أفضل على اتخاذ القرار وحل المشكلات، مع احتمالية احتكاكات أكبر مع الأهل إذا لم يُوجّه بشكل صحيح. العناد هنا ليس "عيب شخصية"، والطاعة ليست "فضيلة مطلقة"، بل ملامح مزاجية تحتاج إلى توجيه.

من أين يأتي العناد والطاعة؟

لا يصنف علم النفس الأطفال إلى "مطيع" و"غير مطيع" بشكل ثابت، بل يرى السلوك على طيف يتغير مع العمر والبيئة. فمرحلة العناد بين عمريّ سنتين وأربع سنوات مثلا جزء طبيعي من نمو الاستقلالية، كما أن هناك فروقات فطرية في الطباع، بعض الأطفال أكثر هدوءا وامتثالا، وآخرون أكثر تحديا واستقلالا.

سلوك الطفل -سواء بدا عنيدا أو مطيعا- هو نتيجة تفاعل عوامل نفسية وتربوية وبيئية. ففي دراسة منشورة عام 2018 بعنوان "سلوكيات الأبوة والأمومة التي تشكل امتثال الطفل"، وجد الباحثون أن أسلوب التربية يؤثر مباشرة في طاعة الأطفال، فالأساليب الواضحة مثل "التجاهل المؤقت للسلوك السيئ" أو "العقاب المنظم" تزيد من امتثال الطفل للتعليمات، وهو ما يعني أن الطاعة ليست "طبيعة ثابتة" بقدر ما تُشكل بالتربية اليومية. كما تشير دراسات أخرى إلى أن التربية الصارمة القائمة على الأوامر من دون حوار قد تنتج طفلا مطيعا ظاهريا، لكنها ترتبط أيضا بمشكلات سلوكية أو تمرد لاحق.

وفق دراسة "توماس وتشيس" الكلاسيكية (1996) عن "المزاج"، فإن حوالي 10% من الأطفال لديهم طبع صعب وعنيد بشكل واضح، وحوالي 40% سهلون مرنون، و15% بطيئو التكيّف أو خجولون، بينما 35% لا ينطبق عليهم تصنيف واحد بشكل قاطع.

عناد اليوم.. قوة غدا؟

العناد، من منظور علم النفس، قد يكون مؤشرا على مهارات مستقبلية لا "عيبا ينبغي كسره". فبحسب ما يذكره موقع "سايكولوجي توداي"، يميل الأطفال العنيدون إلى المثابرة على المشكلات لفترة أطول، فيجدون الحلول ويتمسكون بما يعتقدون أنه صحيح، مما يجعلهم أقل عرضة لضغط الأقران وأكثر قدرة على الدفاع عن أنفسهم.

وتشير بعض الأبحاث الطولية إلى أن الأطفال الذين يظهرون قدرا أعلى من الإصرار وقوة الإرادة يكونون أكثر عرضة لتحقيق تفوق دراسي لاحق، والوصول إلى دخل أعلى في حياتهم المهنية مقارنة بأقرانهم "الممتثلين" أكثر.

بهذا المعنى، فإن السمة التي تثير جنون الوالدين اليوم يمكن أن تكون رصيدا إيجابيا لمستقبل الأبناء، إذا جرى توجيهها، لأن هؤلاء الأطفال قادرون على توظيف قوة إرادتهم في التركيز، والسعي نحو أهداف تعليمية ومهنية، وإتقان مهارات معينة وبناء حياة ناجحة.

حين تتحول الطاعة إلى خطر صامت

على الجانب الآخر، قد لا تكون الطاعة في حد ذاتها خيرا مطلقا، فبعض الأطفال يبدون طاعة عالية لا عن اقتناع، بل بدافع الخوف أو ضعف الاستقلالية أو عدم فهم سبب القواعد. دراسة حديثة منشورة عام 2021 في إحدى دوريات "ساج" (SAGE) العلمية أشارت إلى أن الطاعة ترتبط غالبا بالخضوع للسلطة أكثر من ارتباطها بالتفكير المستقل أو الاقتناع الداخلي، خاصة في بيئات التربية السلطوية.

التربية القائمة على الأوامر الصارمة والعقوبات الشديدة قد تحقق انضباطا سريعا، لكنها ترتبط بضعف الثقة بالنفس، ومشكلات نفسية لاحقة، وتراجع في مهارات التفكير والنقد. ويشير موقع "بيرنتس" إلى أن الأسلوب السلطوي يحرم الأطفال من فرصة تجربة الاختيار والخطأ والتعلم، مما يقلل من استقلاليتهم وإبداعهم على المدى البعيد.

يحذر الخبراء من أن الأطفال الذين ينشؤون في كنف آباء متسلطين لا يحققون في الغالب نفس مستوى النجاح الاجتماعي والمهني الذي يحققه أقرانهم من بيئات أكثر توازنا، رغم مظهر "السمع والطاعة" في الطفولة.

ماذا يمكن أن يفعل الآباء؟

توصي الأساليب الحديثة في التربية، مثل التربية الإيجابية، بعدم "كسر" الطفل العنيد ولا "تمجيد" الطفل المطيع، بل توجيه النمطين معا نحو توازن يجمع بين الالتزام بالقواعد والاستقلال في التفكير. إ ذإن الشخصية المطيعة تحمل مزايا الاستقرار والانضباط، والشخصية القوية الإرادة تحمل إمكانات القيادة والاستقلال، وكلاهما يمكن أن ينجح إذا لقي توجيها صحيا.

تؤكد دراسة بعنوان "تمكين الطفل الإيجابي" -نُشرت عام 2015 في المكتبة الوطنية للطب- أن الطفل يمكن أن يكون متعاونا بإرادته، لا خوفا من العقاب. فالأطفال الذين يطورون "امتثالا طوعيا" -أي استجابة للقواعد عن اقتناع- يملكون سلوكا أخلاقيا أفضل، وهم أقل عرضة للمشكلات السلوكية والعدوانية، ويطورون علاقة أكثر إيجابية مع الوالدين.

الفارق الجوهري هنا أن الطاعة الناتجة عن خوف أو تهديد ليست من نفس "جودة" الطاعة الناتجة عن فهم داخلي وحدود واضحة وحوار مفتوح. وفي النهاية، لا يكون السؤال: "هل طفلي عنيد أم مطيع؟"، بل: "كيف أساعده على أن يكون مستقلا ومحترما للقواعد في آن واحد؟".

المصدر: الجزيرة

مواضيع مرتبطة

كيف تساعدون أطفالكم في التعلّم في أمكنة النزوح ؟

من المهم كذلك إشراك الأطفال في أنشطة حياتية يومية

كيف نساعد الأطفال في التكيّف مع صدمات الحرب؟

كيف يمكن للآباء مساعدة الأطفال في التكيّف؟

كيف يمكن الإفادة من قضية إبستين في أمان الأطفال الرقمي؟

يبرز هنا نقاش معقد في "التشفير التام بين الطرفين"..