داليا فنيش/متتخصصة
تُعدّ أوقات التهجير والنزوح من أصعب الأزمات الإنسانية التي تواجه المجتمعات، لما تفرضه من تحديات قاسية على مختلف الفئات. يُعدّ الأطفال الأكثر تأثرًا بها نظرًا إلى حاجتهم إلى بيئة مستقرة وآمنة تضمن نموهم النفسي والتعليمي السليم.
إلا أن النزوح يحرمهم من هذه الأسس، فينعكس سلبًا على سلوكهم وصحتهم النفسية ومستقبلهم الدراسي. من هنا؛ تبرز أهمية استثمار وقت الأطفال خلال هذه الظروف في وسيلة فعالة للتخفيف من آثار الأزمة وتعزيز قدرتهم على التكيف.
أثر فقدان الروتين اليومي في نفسية الطفل
إن فقدان الطفل لروتينه اليومي المعتاد، مثل الذهاب إلى المدرسة أو اللعب مع الأصدقاء، يؤدي إلى شعوره بعدم الأمان والاضطراب. كما أن التعرض لظروف غير مستقرة أو مواقف صادمة قد ينعكس على حاله النفسية في صورة قلق دائم أو ميل إلى العزلة، وقد تتطور لتشمل أعراضًا مرتبطة بـ اضطراب ما بعد الصدمة، والذي يُعد من الاضطرابات الشائعة بين الأطفال في مناطق النزاع. لذلك، يصبح التدخل المبكر في أنشطة منظمة وهادفة أمرًا ضروريًا للتخفيف من هذه الآثار.
أهمية تنظيم الوقت في ظروف النزوح
تنظيم وقت الطفل من أهم الوسائل التي تساعده في استعادة شعوره بالاستقرار؛ فوجود روتين يومي إن كان بسيطًا يساعده في توقع مجريات يومه، ما يقلل من القلق، ويعزز الإحساس بالأمان. يمكن أن يتضمن هذا الروتين أوقاتًا مخصصة للتعلم، وأخرى للعب، إضافة إلى أوقات للراحة والتفاعل الاجتماعي. ولا يعني ذلك فرض نظام صارم، بل توفير إطار مرن يتناسب وطبيعة الظروف المحيطة.
أولا- الأنشطة التعليمية
تؤدي الأنشطة التعليمية دورًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية التعلم والحد من التراجع الأكاديمي. لا يشترط أن تكون هذه الأنشطة تقليدية أو معتمدة على مناهج رسمية، إذ يمكن تنفيذها بوسائل بسيطة؛ مثل قراءة القصص أو طرح أسئلة تنمّي التفكير، أو تعليم مهارات حياتية (الحساب والقراءة). الهدف من ذلك هو إبقاء ذهن الطفل نشطًا وتحفيزه على التعلم حتى في غياب التعليم النظامي.

ثانيا- اللعب
اللعب عنصر أساسي في حياة الطفل، لا سيما في أوقات الأزمات، يمتد ليشمل الجوانب التعليمية والنفسية. هو يساعد الطفل في التعبير عن مشاعره والتخفيف من التوتر. كما يعزز مهارات التواصل والتعاون، لا سيما الألعاب الجماعية، فقد أثبتت العديد من النظريات التربوية أن التعلم عبر اللعب هو من أكثر الأساليب فعالية في تعزيز الفهم والاستيعاب.
ثالثًا- الدعم النفسي والاجتماعي
يحتاج الطفل، في هذه الظروف، إلى الاستماع إليه. يمكن تحقيق ذلك بتشجيعه على التعبير عن مشاعره، سواء بالكلام أم الرسم أم الكتابة. بالإضافة إلى توفير بيئة داعمة قائمة على التفهم والتقبل. كما يؤدي الأهل والمعلمون دورًا مهمًا في تقديم الدعم العاطفي ومساندة الطفل في لحظات الخوف أو التوتر.
دور المدارس المؤقتة ومراكز الإيواء في دعم تعليم الأطفال وتعزيز تكيفهم النفسي والاجتماعي
تُعد المدارس المؤقتة ومراكز الإيواء بيئات مناسبة لتطبيق برامج تجمع بين التعلم والترفيه والدعم النفسي. إذ إن تنظيم الأنشطة الجماعية، مثل الألعاب التعاونية أو المسابقات الثقافية، يسهم في تعزيز روح الانتماء وبناء علاقات اجتماعية جديدة بين الأطفال، كما أن تقسيمهم إلى مجموعات، بحسب أعمارهم أو مستوياتهم، يساعد في تحسين جودة التعلم وتلبية احتياجاتهم، بشكل أفضل.

من المهم كذلك إشراك الأطفال في أنشطة حياتية يومية، مثل ترتيب المكان أو الإسهام، في بعض الأعمال البسيطة، لما لذلك من دور في تعزيز شعورهم بالمسؤولية وزيادة ثقتهم بأنفسهم. أما الأطفال الأكبر سنًا، فيمكن توجيههم لتعلم مهارات جديدة، مثل اللغات أو الحرف اليدوية، فيفتح أمامهم آفاقًا مستقبلية، ويمنحهم إحساسًا بالإنجاز.
تشير تقارير منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية إلى أن توفير الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب التعليم غير الرسمي، يُعد أهم العوامل التي تساعد الأطفال في تجاوز آثار الأزمات. كما تؤكد هذه التقارير أن البيئة الداعمة والأنشطة المنظمة تسهم، بشكل كبير، في تعزيز مرونة الأطفال النفسية.
في الخلاصة
في ضوء ما سبق، يتضح أن استثمار وقت الأطفال، خلال التهجير والنزوح، يمثل عنصرًا أساسيًا في حمايتهم من آثار الأزمات السلبية. هو لا يقتصر على شغل أوقات الفراغ، يشمل أيضا تنمية شخصية الطفل وتعزيز قدرته على التكيف والنمو في بيئات صعبة، وبتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع، يمكن تحويل هذه الظروف القاسية إلى فرص حقيقية للنمو والتعلم.
في النهاية، الاهتمام بالأطفال، في أوقات الأزمات، هو أكثر من واجب إنساني، هو استثمار حقيقي في مستقبل المجتمعات، إذ يشكّل الأطفال الذين يتلقون الدعم والرعاية الكافية أساسًا لمجتمع أكثر استقرارًا وقدرة على النهوض.
يبرز هنا نقاش معقد في "التشفير التام بين الطرفين"..
تقارير الاستخدام الرقمي تشير إلى نسب انتشار مرتفعة للإنترنت ومستخدمي التواصل الاجتماعي في لبنان

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال