سوزان الخليل/ متخصصة تربوية
في زمنٍ باتت فيه الشهرة تُقاس بعدد المتابعين، وتقدير الذات مرتبطًا بالإعجابات والتعليقات، ينجذب كثير من المراهقين إلى عالم صناعة المحتوى ليصبحوا ما يُعرف اليوم بـ"البلوغرز".
مع أن هذا العالم يفتح أبوابًا واسعة للإبداع والتعبير عن الذات، إلا أنه يحمل في المقابل مجموعة من التحديات النفسية والاجتماعية التي قد تشوّه شخصية المراهق وتضعه تحت ضغوط لا تتناسب وعمره ونضجه.
هذا المقال يسلّط الضوء على الآثار السلبية، ويكشف طرائق الاستغلال التي قد يتعرض لها المراهقون بسبب المنصات والشركات، كما يستعرض دور الأسرة والمدرسة في متابعة هذا الجيل وحمايته من المخاطر الرقمية.
أولًا- التأثيرات السلبية في شخصية المراهق
1. تضخم الأنا والشعور الزائف بالنجاح
يدخل المراهق عالم الشهرة الرقمية من دون إدراك حقيقة أن الأرقام لا تعكس بالضرورة قيمة حقيقية. فيبدأ بتقويم نفسه من خلال التفاعل، ما يؤدي إلى غرور غير صحي أو هشاشة في الشخصية تعتمد على رأي الجمهور.
2. القلق والتوتر والإدمان على التفاعل
يعيش بعض المراهقين حالًا من الترقّب دائم لتعليقات المتابعين وردودهم، فيشعرون بالضغط لإنتاج محتوى مستمر، ما يولّد إجهادًا نفسيًا يشبه إدمان الشهرة. هذا يؤثر في تحصيلهم العلمي، وقد يدفع بهم إلى التسرب المدرسي.
3. التشويش على الهوية وضعف تقدير الذات
يميل المراهق إلى تقليد البلوغرز الآخرين أو تغيير سلوكه وقيمه ليناسب ما يريد الجمهور رؤيته، ما يمنعه من بناء شخصية حقيقية مستقلة ومتوازنة؛ فينسى شخصيته الحقيقة والقيم التي تربى عليها.
4. الانعزال عن الواقع
قد يستبدل المراهق علاقاته الاجتماعية الحقيقية بعلاقات افتراضية هشة، فينعزل تدريجيًا عن أسرته وأصدقائه وينغمس في عالم رقمي لا يعكس الواقع؛ بل ويرفض حياته الاجتماعية ضمن بيئته.
5- التعرض للتنمر الإلكتروني
الظهور المستمر يجعله هدفًا سهلًا للانتقاد القاسي أو السخرية، ما يؤثر في ثقته بنفسه وصحته النفسية؛ وقد يتعرض للتنمر الإلكتروني؛ فيؤذي نفسه، ويعرضه للقلق الدائم.
6- تأثير سلبي في التحصيل الدراسي
قضاء ساعات طويلة، في التصوير والمونتاج والتفاعل مع المتابعين، يؤثر في دراسته ونظام حياته، وينشأ فجوة بينه وبين مسؤولياته اليومية.
ثانيًا- كيف تستغلّ المنصات والشركات المراهقين؟
1. استغلال رغبتهم في الشهرة مقابل مكافآت بسيطة
تستغل بعض الشركات حماس المراهقين، فتعرض عليهم منتجات مجانية أو مبالغ رمزية مقابل ترويج لا يدركون أبعاده أو مخاطره.
2. استخدامهم أدوات دعاية غير واعية
ينشر المراهق محتوى تسويقي غير مناسب لعمره، أو يروّج لمنتجات موجهة للكبار، فيتحول إلى وسيلة إعلان مباشرة من دون وعي منه أو حماية قانونية، كما قد يستغل جسديًا ومعنويًا.
3. الإفادة من بياناتهم الشخصية
تقوم المنصات بجمع بيانات المراهقين والأطفال بتوجيه محتوى مؤثّر في قراراتهم وسلوكهم الاستهلاكي، فيصبحون جزءًا من ماكينة تجارية ضخمة.
4. دفعهم إلى زيادة الظهور لتحقيق "الأرباح
الخوارزميات تشجع على قضاء المزيد من الوقت على المنصة، ما يدفع المراهق للاعتقاد أن كل دقيقة خارج الإنترنت تعني خسارة جمهور أو فرصة ما.
دور الأسرة في التوجيه والمتابعة
1. بناء علاقة حوارية: على الأهل فتح باب النقاش عن مخاطر الشهرة الرقمية وتشجيع المراهق على الحديث عن تجاربه، من دون خوف ومتابعة نوع المحتوى الذي ينشره.
2. تعزيز الوعي الرقمي: تعليم الأبناء كيفية حماية الخصوصية، وتمييز المحتوى المضلّل، وفهم طبيعة المنصات وأهدافها التجارية.
3. دعم الثقة بالنفس خارج العالم الافتراضي: بالأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والعمل التطوعي والمشاركة في أدوار مسرحية ضمن المدرسة وتنمية الموهبة لديهم التي تبني شخصية متوازنة ومستقلة.
دور المدرسة في حماية وتنمية الوعي
1. التربية الإعلامية والرقمية: إدراج برامج توفر مهارات التفكير النقدي وتحليل المحتوى، وفهم آليات عمل الخوارزميات.
2. متابعة الحالات الفردية؛ بالتواصل مع الأهل عند ملاحظة تغيرات سلوكية مرتبطة بالظهور الإعلامي أو الانشغال المفرط بالمنصات.
3. تنظيم ورشات توعية :استضافة خبراء في الصحة النفسية والإعلام الرقمي لتوعية التلاميذ بمخاطر الشهرة السريعة.
4. تعزيز الانتماء المدرسي : من خلال أنشطة تنمي روح الفريق والثقة بالنفس بعيدًا عن عالم الأرقام الرقمية.
في الخلاصة؛ إنّ تحول المراهق إلى "بلوغرز" قد يكون مساحة للتعبير يسعى من خلالها المراهق لإسقاط مكنوناته فيه؛ لذلك على الأهل التعامل معه بدقة؛ حيث نستثمر هذه الشخصية في عناوين تربوية توجيهية مفيدة .
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الشهرة عبئًا نفسيًا يؤثر في الهوية والتوازن العاطفي والاجتماعي. لذلك، الوعي الأسري والمدرسي والمتابعة الحكيمة، والتربية الرقمية هي الأساس لحماية هذا الجيل من الوقوع في فخ الشهرة السريعة والاستغلال الرقمي.
أين نحن من قول الرسول (ص): "لا تضربوا الضعيف.."؟!
من الضروري ألا يكون الأب هو الشخص الحاضر الغائب في حياة ابنته
خلال الأزمات، تُستغل هذه الشبكات عبر ما يُعرف بالعمليات النفسية الرقمية

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال