كيف تُعَلِم طفلك حماية نفسه من التحرش الجنسي؟

"التحرش الجنسي" كلمة أصبحت متداولة على الألسن على امتداد الفترة الماضية، ورغم أن التحرش ظاهرة ليست حديثة على المجتمع الإنساني، فإنه بتطور العالم وتقدمه وتزايد ملاحظة هذا السلوك في الأوساط العامة أصبح من الواجب إدانة ومنع مثل هذه الأفعال، ومن قبلها توعية الفئة التي يطولها التحرش بصورة أوسع، وهم النساء تحديدا. لكن، وما يمكن ملاحظته، ولا نحتاج إلى كثير أدلة عملية للإشارة إليه، أن التحرش ليس حكرا على البالغين فقط، بل في الكثير من الأوقات يكون التحرش الجنسي موجها للأطفال، وتبرز البيدوفيليا (Pedophilia) كأحد هذه المظاهر، ولأننا لا يمكن أن نحمي أطفالنا طوال الوقت ولا أن نصاحبهم في مختلف الأمكنة، يصبح لزاما علينا، نحن المسؤولون عن حياة الطفل، أن نعمل على تعريفه وتوعيته بشأن مظاهر التحرش الجنسي، وذلك عن طريق منهجية غير عشوائية، حتى نتفادى إصابة الطفل بعقدة تجاه الجنس حين يكبر. قد يأخذ التحرش الجنسي بالأطفال عدة أشكال، ابتداء من الكلام بطريقة بذيئة أو جنسية أمام الطفل.

وتُظهر آخر الدراسات أن نسبة التحرش الجنسي بالأطفال مرتفعة للغاية، ونسبة كبيرة من المتحرشين بالأطفال كانوا من أقارب أو معارف أو أصدقاء الطفل. إن عدم الوعي الكافي للأطفال قد يجعلهم يتقبلون مثل هذه الأفعال، لأنهم حتى وإن استنكروها في أنفسهم، فإن اليد العليا في مثل هذه المواقف عادة ما تكون للشخص المتحرش، فيشعر الطفل بالخزي عند تعرضه لمثل تلك السلوكيات، وقد يشعر بالخوف في حال تم تهديده من قِبل المتحرش، وأحيانا قد يشعر بالفرحة والفخر أنه أصبح مثل البالغين، وهو الأمر الذي قد يشعره بالتميز.

 

لذا فإن توعية الأطفال ضد خطر التحرش الجنسي أصبح من الضروريات. صحيح أن الوعي الكافي لا يعني ضمانة حمايتهم من أن يكونوا ضحايا للمتحرشين جنسيا بالأطفال، كما يشابه الحال أن معرفتك بطرق السرقة لا تمنع بالضرورة تعرضك للسرقة، لكن الوعي الكافي سيمنح الطفل القدرة على إيقاف الأمر في حال استطاع، أو بأسوأ الأحوال أن يقوم بالإبلاغ عما حدث دون خوف من الفضيحة أو من عقاب الأهل.

تهيئة الطفل لاحترام خصوصيته:

بداية، يجب توعية الطفل جنسيا منذ إتمامه العامين، بتعليمه أن هناك أماكن خاصة في جسده لا يجب على أحد رؤيتها، سوى من يدخل معه الحمام من الموثوقين، ولا يجب بأي حال أن يلمسه أحد في هذه الأماكن الخاصة بدون داعٍ أو تصويرها، حتى إن كان أشد المقربين له. لا بد من احترام الطفل وإعطائه مساحته الشخصية، فإن كبر الطفل واستطاع أن يدخل الحمام بمفرده فحينها يجب التوقف فورا عن مساعدته في ذلك، وتعليمه الاستحمام بمفرده أيضا، حتى يتعلم أن جسده العاري له خصوصية ويجب ألا يراه أحد.
 
تُعد التوعية الجنسية المبكرة للأطفال كذلك من أهم الوسائل التي يستطيع بها الأهل الحفاظ على أطفالهم من هذه الحوادث، كما أن تعليم الأطفال أسماء أعضائهم الخاصة منذ الصغر، يساعدهم في التعبير عن أنفسهم بشكل جيد. من المهم أيضا أن ننبّه على الطفل أنه لا يوجد ما يسمّى بالأسرار بينهم وبين من يثق بهم، كالآباء والأمهات، خاصة عندما تتعلق تلك الأسرار بجسدهم، سواء كان تحرشا أو ضربا أو مجرد لمسة بسيطة، على الطفل أن يعلم أنه مهما كان السلوك الذي تعرض له مؤذيا، فإنه يستطيع على أي حال أن يخبر أهله عنه. كما أن هناك أمرا مهما عادة ما يغفل الأهل عن القيام به، وهو أنه يجب ألا نجبر الأطفال أبدا على السلام بالقُبلات مثلا، مهما كانت التهديدات بأن فلان سيغضب أو فلانة لن تعطيه الحلوى، لأن الإجبار في الأمور الصغيرة المسالمة يجعل الطفل معتادا على القيام بالأمور تحت التهديد حتى لو لم يكن مرتاحا فيها.


 
كيف نوعّي الأطفال بالتحرش الجنسي تحديدا؟

بالإضافة إلى توعية الأطفال بضرورة الحفاظ على خصوصيتهم وأن لأجسادهم حرمة، يجب تنبيههم إلى سلوكيات التحرش الجنسي وأشكالها المتعددة على وجه الخصوص، وألا يكتفي الأهالي بالتحذير من الأمر لمرة واحدة، بل يجب الاستمرار في التوعية. صحيح أنه من البديهي أن يتحدث الأهالي مع أطفالهم حيال اللمسات السيئة، وأن الأطفال قد يشعرون بالخزي أو الخوف، ولكن التأكيد على أن اللمسة السيئة لا تُثير بالضرورة شعورا سيئا هو أمر مهم، فالشعور الجنسي للأطفال موجود، وقد تُثيرهم لمسات المتحرش وأن هناك احتمالا بالشعور بالمتعة، سواء كانت متعة جسدية أم متعة إثبات الذات، لذلك فإن التنبيه على أن اللمسة السيئة ستظل سيئة مهما كان شعور الطفل حيالها.

من النصائح المهمة، والمفيدة، أن يعطي الأهل أطفالهم كلمة سر لا يعلمها أحد سواه، وأن تبدو لغيرهم وكأنها كلمة عادية، وهذه الكلمة تتمثل وظيفتها في أن يستخدمها الطفل في حالة كان برفقة أشخاص لا يشعر معهم بالأمان أو الراحة، ويمكنه استخدام هذه الكلمة سواء كان في المكان نفسه مع الأهل أو كان بعيدا عنهم. للأسف لا يخلو العالم المحيط بنا من قضايا تحرش، يُعرض بعضها في الإعلام، وبعضها في أعمال فنية، أو تتداولها الألسن من حولكم. استغلال هذه المشاهد أمر واجب لفتح الحديث عن هذا الأمر (3) (أو إعادة فتحه في حالة نقاشه سابقا)، وسؤال الطفل إن كان يعرف ما الذي يعنيه هذا الموقف، وإن كان قد تعرض من قبل لحادث مشابه أو كان شاهدا عليه. أيضا يمكن سؤاله حول الكيفية التي سيتصرّف بها في حال مروره بالموقف نفسه، مع إبداء التعاطف الواضح والظاهر مع الضحية (سواء كان طفلا أو امرأة أو رجلا) وإلقاء اللوم على الجاني.


 
اخلقوا مساحة آمنة من الثقة والحوار:

عند تعليم الأطفال أن هناك مساحة من الخصوصية التي يجب على الجميع احترامها، من المهم أن نخبره أنه يملك مساحة آمنة يتحرك فيها، وأن له أشخاصا موثوقين في كل مكان، المنزل والنادي والمدرسة وأي مكان يرتاده بصفة دورية، هؤلاء الأشخاص يستطيع اللجوء إليهم في حالة تعرضه لأي خطر من أي نوع، أي إن هؤلاء الأشخاص أنفسهم مصدر ثقة.

علّموا أطفالكم أنهم يستطيعون قول كلمة "لا" إن شعروا بالخطر وعدم الأمان، وأنهم يستطيعون رفض المطلوب منهم في أي موقف يشعرون فيه بعدم الارتياح، مهما كانت الشخصية التي تطلب منهم فعليهم ألا يخافوا من العواقب، حتى في حال تقدم أحد أولئك الأشخاص بالشكوى. وبالرغم من تحدث الأهالي باستمرار الدائم مع أطفالهم حول هذا الأمر وتوعيتهم، وبالتالي ما يبني عليه الأهالي من ظن أن الأطفال باتوا في مساحة آمنة يستطيع معها الطفل التحرك بحرية مطلقة، فإن هذا الأمر ليس حقيقيا، فعلى الأغلب إن واجه الطفل موقفا مثل هذا لن يتوجه إليك مباشرة بالكلام، بل لن يكون رده مباشرا وواضحا من المرة الأولى.

كونك شخصا آمنا بالنسبة للطفل هذا لا يعني أن يدفعه ذلك للتحدث من تلقاء نفسه، بل يعني استعداده النفسي للبوح بأسراره ومشاكله إن سُئل بطريقة تلائمه، لذا فالمتابعة اليومية مع الطفل ومعرفة أحداث يومه ومن يُصادق وأين ذهب للعب تُعد أمورا ضرورية. ويجدر هنا الإشارة إلى نقطة تحذيرية، حيث ينبغي للأهالي تجنب إشعار أطفالهم بأنهم محاصرون بالأسئلة المتعاقبة، بل اجعلوا الأسئلة عامة وبادروا أنتم أيضا بوصف ما حدث في يومكم، فلا تدفع تلك الأسئلة حينها لأن يفزع الطفل من الحصار، خاصة في حال كنتم في حالة شك أنه ضحية لواقعة تحرش جنسي.

للإطلاع أيضاً على المقال الثاني حول: هذه العلامات تدل أن طفلك ضحية تحرش جنسي!

 

المصدر: الجزيرة