في عالم سريع ومزدحم بالشاشات والضغوط اليومية، قد تبدو لحظات الجلوس قرب الأشجار أو الاستماع إلى أصوات العصافير مجرد استراحة قصيرة، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن تأثير الطبيعة أعمق بكثير مما نعتقد. بحسب تقرير نشرته مجلة «تايم»، فإن التواصل مع الطبيعة لا يساعد فقط على تحسين المزاج وتقليل التوتر، بل قد يعزز أيضًا الصورة الإيجابية عن الجسد والرضا العام عن الحياة.
دراسة عالمية: الطبيعة تحسن نظرتنا إلى أنفسنا
في أكبر دراسة من نوعها، أجرى باحثون من جامعة أنغليا روسكين في كامبريدج استطلاعًا شمل أكثر من 50 ألف شخص، تتراوح أعمارهم بين 18 و99 عامًا، من 58 دولة مختلفة. وجد الباحثون أن التواصل مع الطبيعة يساعد الأشخاص، بغض النظر عن العمر أو الهوية الجندرية، على تطوير صورة أكثر إيجابية عن أجسادهم، وهو ما يرتبط بدوره بشعور أكبر بالرضا عن الحياة.
الأمر لا يتعلق بالشكل فقط يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ علم النفس في جامعة أنغليا، روسكينفيرين سوامي، أن مفهوم «الصورة الإيجابية عن الجسد» لا يقتصر على الإعجاب بالمظهر الخارجي.
يقول: «الصورة الإيجابية عن الجسد تعني حب الجسد واحترامه والعناية به». يضيف: «الأشخاص الذين يتمتعون بصورة إيجابية عن أجسادهم يقدّرون ذواتهم الجسدية، ويقدّرون الخصائص الفريدة لأجسادهم، ويحترمونها ويعتنون بها».
كيف تساعد الطبيعة على تحسين الصحة النفسية؟
تشير الدراسة إلى أن الطبيعة تساعد الأشخاص عبر ما يسميه الباحثون: «الهدوء المعرفي». تحدث هذه الحالة عندما تهدأ الحواس وسط الأصوات والمناظر الطبيعية، ما يسمح للعقل بمعالجة الأفكار بضغط ذهني أقل. سواء كان الأمر يتعلق بـ:
* مراقبة الطيور
* المشي في الطبيعة
* مشاهدة النجوم
* أو حتى التوقف لشمّ زهرة
هذه اللحظات قد تساعد على زيادة التعاطف مع الذات والتعامل بلطف أكبر مع النفس في أوقات التوتر أو المعاناة.
المدن والضغط الذهني المستمر
يشير الباحثون إلى أن نصف سكان العالم يعيشون حاليًا في المدن، بينما يقيم نحو 80% من سكان الولايات المتحدة في بيئات حضرية. يقول الخبراء إن الحياة السريعة والضوضاء والزحام والشاشات المستمرة تضع الحواس تحت ضغط دائم، ما قد يؤثر في الصحة النفسية وصورة الشخص عن نفسه. لهذا، قد يساعد أخذ استراحة قصيرة وسط الطبيعة على تقليل الإرهاق الذهني وتحسين المزاج.
حتى اللحظات الصغيرة، مثل:
* مراقبة أوراق الشجر
* الاستماع إلى الرياح
* أو ملامسة حشرة صغيرة للطبيعة
قد تمنح العقل فرصة للهدوء واستعادة التوازن.
الطبيعة والجهاز العصبي
أظهرت دراسة العام الماضي أن التعرض للطبيعة يساعد الأطفال والمراهقين على تهدئة الجهاز العصبي. كما أظهرت دراسة أخرى أن المشي في الطبيعة أكثر قدرة على استعادة النشاط الذهني مقارنة بالمشي في شوارع المدن.
لماذا أصبحنا منفصلين عن الطبيعة؟
يقول سوامي: «البشر اليوم أكثر انفصالًا عن الطبيعة من أي وقت مضى في تاريخ البشرية». يضيف أن هذا الانفصال لا يؤثر فقط في الصحة النفسية والجسدية، بل يمتد أيضًا إلى علاقتنا بالعالم الطبيعي نفسه. حتى 20 دقيقة قد تصنع فرقًا. تشير الأبحاث إلى أن قضاء: 20 دقيقة فقط وسط المساحات الخضراء قد يساعد على تحسين الشعور بالرفاهية. لا يقتصر الأمر على الحدائق والأشجار، فالأماكن القريبة من: الأنهار، البحيرات والمياه الطبيعية. قد تساعد أيضًا على تحسين المزاج. وقد دفع ذلك بعض الأطباء خلال السنوات الأخيرة إلى وصف «المشي في الطبيعة» كوسيلة للمساعدة في تقليل التوتر.
كيف نعيد التواصل مع الطبيعة؟
يقدم سوامي نصيحتين أساسيتين:
أولًا: ابتعد عن الهاتف
يقول: «عندما تكون في الطبيعة، حاول أن تغلق هاتفك الذكي، لأن الدراسات تظهر أن قضاء الوقت في الطبيعة أثناء استخدام الهاتف لا يختلف كثيرًا عن البقاء داخل المنزل».
ثانيًا: كن فضوليًا تجاه الطبيعة
لكنه يوضح أن المطلوب ليس «إيقاف التفكير»، بل الانتباه لما يحدث حولك. يقول: «المهم هو أن تبدي اهتمامًا فعليًا بالعالم الطبيعي، مثل الاستماع إلى صوت الرياح بين الأشجار أو مشاهدة غروب الشمس بهدوء». يضيف: «غالبًا ما تكون الطبيعة ساحرة بلطف، بمعنى أنها قادرة على جذب انتباهنا من دون مجهود كبير».
الخلاصة
قد لا تكون الطبيعة مجرد وسيلة للهروب المؤقت من الضغط اليومي، بل جزءًا مهمًا من دعم الصحة النفسية وتحسين نظرتنا إلى أنفسنا. تشير الأبحاث إلى أن حتى اللحظات البسيطة وسط الأشجار أو قرب الماء قد تساعد على تهدئة العقل، وتقليل الإرهاق الذهني، وزيادة الشعور بالرضا عن الحياة.
وكالة رويترز
هندسة غذائية صُممت خصيصاً لهزيمة إرادتك في الحفاظ على صحتك
هو انعكاس لموجة مقلقة من الضغوط النفسية والمعايير غير الواقعية للجمال

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال