نجوى الموسوي/كاتبة ومربيّة
خطيرة جدًا مسألة التربية على الأنانية؛ وأخطر منها التربية على إلغاء الآخر لأجل الأنا.
يتفق علماء الاجتماع أن البداية هي دائمًا من البيت والمدرسة. حين تسوء التربية، ويخلط بين الحق والأخلاق والحصول على ما يريده المرء؛ فلا غرابة أن ينشأ نشأة أنانية تؤدي إلى خطورة ممارسة الظلم مع تسويغه وفلسفته! فكيف ذلك وما نتيجة تربية الأنانية؟
لا غرابة بعد عمر من سوء التربية أن ينهض رجال دول وحكومات "للبلطجة والعدوان وسرقة أرض الآخرين وسلب حقوقهم؛ لأنهم اعتادوا على اقتناص حقهم أو فُرصهم بصرف النظر عن حقوق الآخرين.. لا غرابة ما دامت مشكلات البشرية كلها ناشئة من أمراض النفس، مثل الشراهة والطمع وحب الذات والمال والرفاهية والجاه والسمعة، حتى لو أدى ذلك إلى سلب حقوق الناس وسرقتها، ولاحقًا استسهال القتل..!
في العلوم النفسية؛ لا غرابة أن تصبح طاغيًا ظالمًا ساديًا تتلذذ بتعذيب غيرك ما دامت تربيتك على مبدأ "استمتع بالحياة ولا تنتبه للمعذبين المحرومين"... وما يبدأ هكذا سينتهي بتطبيق: "استمتع بالحياة وحطّمْ المعذبين المحرومين الذين ينغّصون عليك الرفاهية". هذا إلى جانب الصفات الشخصية البارانوية أو الطاغية، إذ إن صاحبها منذ نشأته تكون لديه "المبالغة في الأنانية؛ فيسخّر كل شئ لتضخيم ذاته، إضافة إلى تبلد مشاعره ما يمنحه قسوة حتى على أقرب الأقربين إليه.
في النتيجة؛ لن تبقى الأمور في إطار البيت والمدرسة وخوازميات ترويج الأنانية بحجة الحق. الأمر فعلاً خطير؛ كما لو أن "جميع الجهود التي بذلها المفكرون في تسويغ الأخلاق، ومحاولاتهم في الدفاع النظري عن الأخلاق قد ذهبت سُدى؛ لأنهم تخلّوا عن النظر إلى الإنسان بوصفه شخصًا يتحلّى بالفضائل؛ عندما تعمل على تجريد الإنسان من الفضيلة، وتكون نظرتك إليه بوصفه شخصًا صاحب حق". (مقتبس عن كتاب "ما بعد الفضيلة" لــ"ماكين تاير).
مثال على ما تقدم؛ في المجتمعات الدينية يحتل مفهوم العيش المشترك موقفًا محوريًا، بوجود جماعتين أو أكثر، تقبل كل منهما الأخرى من دون محاولة للاضطهاد أو للنظر باستخفاف أو تعصب، وتتفاعل فيما بينها مع اختلافها، وتتجاوز وتتقبل وجود الاختلاف مع الآخر في إطار وحدوي على مبادئ الانفتاح والاحترام والتقبل" (صفي الدين، 2015).
إذًا، ففي المجتمعات المشتركة والمتعددة الطوائف والمذاهب جدير بالتربية أن تهذّب النفوس للانفتاح والاحترام والتقبل؛ ولتخلع الأنانية، ثم تستعد للعطاء وللتعايش، لا سيما أن الطوائف كلها، في أصولها الدينية، تدعو إلى الخروج من قيد الأنا..
لا ننسى جميعنا هدف التربية والعلم، وهو أن يقف الإنسان مواقف أخلاقية، مهما كان معتقده وتمسكه به، فيكون عادلاً يحب للآخر ما يحب لنفسه، ويعامله بعدالة. هدف التربية والعلم ألّا تصنع الخوارزميات ومواقع الانترنت و(AI) بني آدم آليّا أنانيّا، بل أن يظل ابن آدم هو الصانع والأذكى والمفضّل بفطرة الأخلاق والعدالة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
أبرز المراجع:
القرآن الكريم، مركز الأبحاث والدراسات التربوية، ندوة التربية الإسلامية وتحديات المذهبة. شخصية "الطاغية" للاستشاري في الطب النفسي. د محمد المهدي، مجلة الواحة المطمئنة
كيف نضمن أن يظل الطالب هو من يتعلم فعلا، لا الأداة؟

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال