تبدو العلاقة معقدة بين شركات صناعة الأنمي في اليابان والذكاء الاصطناعي؛ فمن جهة تتطلع إليه الشركات بوصفه حلًّا لمواجهة نقص اليد العاملة وإرهاق الموظفين، ومن جهة أخرى يتلقى المحتوى المصنوع بهذه التكنولوجيا النقد من جانب العاملين في القطاع والجمهور على حد سواء.
على الرغم من أن قيمة صناعة الأنمي اليابانية تُقدّر بـ3.8 تريليونات ين (24.3 مليار دولار)، نبّه تقرير لجمعية نيبون للأنمي وثقافة الأفلام، صدر عام 2024، إلى أن العمّال في القطاع يعملون فوق طاقتهم ويتقاضون أجورًا تقل عن الحد الأدنى للأجور في البلاد. وذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن معظم الرسامين يعملون عشر ساعات يوميًا، مقابل 700 ين (4.50 دولارات) فقط في الساعة.
أثناء ذلك، اتخذت صناعة الأنمي خطوات جادة نحو دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإنتاج الفعلي. ففي مطلع هذا العام، أُطلق "توينز هيناهيما" (Twins Hinahima)، أول مسلسل أنمي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في نحو 95% من المشاهد. وبحسب موقع سي بي آر، شكّل هذا المشروع أرضية اختبار نظرية للوكالات التي تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأنمي. وتحذو الاستوديوهات الكبرى حذوها، ملتزمةً علنًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لتبسيط مراحل الإنتاج، بما في ذلك تصميم الخلفيات والمشاهد الانتقالية.
"كيه آند كيه ديزاين" (K&K Design) مثلًا هو استوديو إنتاج أنمي يدمج الذكاء الاصطناعي في أعماله، ويستخدم نسخة مُخصصة من نموذج تحويل النص إلى صور "ستيبل ديفيوجن". يقول نائب رئيس الأستوديو، هيروشي كاواكامي، لموقع دويتشه فيله، إن هذه الأداة تساعد في التلوين، وإنشاء الخلفيات، وتحويل الصور والفيديوهات إلى أنمي، ما يوفر كثيرًا من الوقت والجهد. يضيف أن مقطع أنمي مدته خمس ثوانٍ كان يتطلب عادةً أسبوعًا من العمل اليدوي، لكن يمكن الآن إنتاجه في يوم واحد فقط من خلال إدخال رسمين لا أكثر إلى نموذج الذكاء الاصطناعي.
كذلك، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل توزيع المانغا، الكتب المصوّرة التي عادة ما تستند إليها أعمال الأنمي، ويساعد في حمايتها. حصلت شركات ناشئة مثل "أورانج" و"مانترا" على استثمارات وشراكات كبيرة مع عمالقة الصناعة مثل "شويشا" و"شوغاكوكان" و"كادوكاوا" و"كودانشا"، بهدف تسريع عملية الترجمة.
يعمل المسؤولون الحكوميون في اليابان على استخدام الذكاء الاصطناعي لمكافحة "المانغا" المقرصنة. وأعلنت وكالة الشؤون الثقافية أنها تعمل على تطوير نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في كشف المواد المقرصنة وإصدار طلبات إزالة تلقائية، خاصة وأن شركات الأنمي تتكبّد خسارات كبيرة نظرًا إلى تكلفتها الإنتاجية العالية، مقابل القرصنة التي توقف در الأرباح.
لكن بينما تؤكد هذه الشركات حاليًا استخدام الإشراف البشري لصقل المنتج النهائي، يخشى النقاد من أن هذه الممارسات تمهد الطريق فعليًا للذكاء الاصطناعي ليحل محل الفنانين والمبدعين البشريين تمامًا في نهاية المطاف.
أجرت منظمة عمّال الفنون في اليابان عام 2023، دراسة استقصائية شملت 27 ألف مشارك يعملون في المجالات الإبداعية، ووصلت إلى أن 94% من الفنانين اليابانيين لديهم مخاوف بشأن انتهاك الذكاء الاصطناعي لحقوق الملكية الخاصة بهم. كما وجدت المنظمة أن نحو 60% من الفنانين في اليابان يشعرون بالقلق من فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي.
هاياو ميازاكي أحد أشهر مخرجي ورسامي الأنمي في تاريخ اليابان، وهو مؤسِّس استوديو غيبلي الشهير والحائز على عديد من الجوائز، بما فيها أكثر من جائزة أوسكار. وفي مقابلة أجريت معه، قبل سنوات صرّح بأنه "يشعر باشمئزاز شديد" من المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، واصفًا إياه بأنه "إهانة للحياة نفسها".
جاءت الانتقادات من الجمهور أيضًا، مثلًا اضطرت شركة أمازون إلى حذف دبلجاتها الإنكليزية المولّدة بالذكاء الاصطناعي من أعمال الأنمي بعد أيام من السخرية اللاذعة، إذ انتقد مؤدّو الأصوات وعشاق الأنمي على حدٍّ سواء دبلجات الذكاء الاصطناعي واصفين إياها بأنها رديئة وبلا روح.
تسمح القوانين اليابانية باستخدام المحتوى المحمي بحقوق الملكية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ويفسّر قانون حقوق النشر الياباني، الذي عُدّل في عام 2019، بأنه يسمح باستخدام المواد المحمية بحقوق النشر لتدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، من دون موافقة صاحب حقوق النشر.
يهدف القانون إلى جذب مستثمري الذكاء الاصطناعي إلى اليابان، من خلال تساهل أكبر مقارنة مع قوانين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومع ذلك، سبق أن أكدت الوكالة اليابانية للشؤون الثقافية أن القاعدة المتساهلة في البلاد لا تُطبَّق إذا كان استغلال الأعمال المحمية بحقوق الملكية "يضر ضررًا غير معقول بمصالح صاحب الحق".
لكن يؤيّد مسؤولون تنفيذيون في الصناعة، مثل المنتج التنفيذي لسلسلة "بوكيمون"، تايكي ساكوراي، التوجه نحو الذكاء الاصطناعي، مشيدين به أداةً ضرورية لمواجهة نقص العمالة وتبسيط عبء العمل الهائل في إنتاج الأنمي. وبحسب كاواكامي فالذكاء الاصطناعي يؤدي دورًا "داعمًا" ولن يتمكن من استبدال البشر في التقييم البصري والتفكير الإبداعي.
يرى المخرج هيدياكي أنو أن على المبدعين أن يعتادوا على إنجاز الذكاء الاصطناعي مهامهم. وصرّح لمجلة فوربس اليابان، بأن الذكاء الاصطناعي "يكاد يكون مريحًا للغاية" بما لا يمكن تجاهله.
بينما أقرّ بالقلق المنتشر بشأن استبدال الذكاء الاصطناعي للبشر، يرى أن هذه الصناعة قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، و"بما أنه موجود بالفعل، أعتقد أنه ليس لدينا خيار سوى قبوله مع استكشاف إمكانياته في الوقت نفسه". ومع ذلك، يشدّد أنو على أن هذا القبول مشروط بأن يعمل الذكاء الاصطناعي ضمن الأطر القانونية القائمة، إذ "طالما أن حقوق الملكية الفكرية قائمة، أعتقد أنه يجب وضع قواعد"، فـ"لا يمكنه فعل ما يشاء".

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال