الذكاء الاصطناعي... هذه ليست مشاعرنا ولا كلماتنا

الذكاء الاصطناعي... هذه ليست مشاعرنا ولا كلماتنا

في قصة قصيرة عنوانها "رسائل حب مغدور"، تكتب إيزابيل الليندي عن آناليا التي تقضي سنوات تتلقى رسائل من رجل مجهول يقول إن اسمه لويس، وإنه ابن عمها الذي لم تره من قبل. مع كل رسالة، تقع آناليا أكثر في حب صاحب الكلمات، وترسم ملامحه وصوته وحياته من خلال اللغة وحدها، لكن حين تلتقيه أخيراً، تكتشف أن الرجل الذي أحبته لا يشبه الرسائل، وأن من كتب لها في الحقيقة شخص آخر كان يتخفى خلفه.

تعود الفكرة نفسها في أغنية نور الهدى "يا مولعاً برسائلي"، فهي اعتراف امرأة استعانت بصديقة تتقن كتابة الرسائل الغرامية لتترجم مشاعرها إلى لغة قادرة على إيقاع رجل في حبها، قبل أن يتحول هذا الحب نفسه إلى مصدر للشك والزيف.

قامت كثير من الأعمال الأدبية والغنائية على فكرة الرسائل، وما تنطوي عليه من التباس في هوية المُرسِل أو صدق المشاعر. في السابق، كان تفويض اللغة يحدث لشخص آخر يتقن التعبير، أما اليوم فتغيّر الوسيط نفسه. لم يعد هناك طرف خفي يُستعان به لكتابة الرسائل، بل نظام لغوي آلي يعيد إنتاج اللغة والمشاعر معاً. ومع هذا التحول، يتبدل السؤال نفسه.

لم يعد الأمر متعلقاً بهوية من كتب الرسالة، بل بما إذا كانت هناك مشاعر إنسانية حقيقية تقف خلف هذا النوع من اللغة المصقولة. فالذكاء الاصطناعي لا يعيش تجربة عاطفية، ولا يستدعي ذاكرة شخصية أو إحساساً ذاتياً، بل يعيد تركيب أنماط لغوية تعلّمها من ملايين النصوص البشرية، لينتج خطاباً يبدو حميماً ومقنعاً إلى حد يصعب معه أحياناً التمييز بين ما كُتب بدافع شخصي مباشر وما صيغ آلياً. وعلى ما يحمله ذلك من تداعيات على العلاقات الإنسانية، فإنه يطرح أيضاً أسئلة جديدة حول طبيعة التواصل نفسه، في عالم بات جزء كبير من علاقاته يُدار عبر الشاشات واللغة المكتوبة.

تقضي ليلى، وهي محللة نفسية تعيش في دمشق، ساعات أمام تطبيق تشات جي بي تي، في محاولة لصوغ أفكارها، والبحث عن عبارات أكثر قدرة على التعبير عنها. تشعر بحرج من اعتمادها المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنها تقول إنها تصالحت مع الأمر، خصوصاً بعدما أرسلت بريداً إلكترونياً إلى المنظمة التي تعمل معها وتركته، من دون انتباه، مذيّلاً بعبارة: "إن أردت أن تبدو رسالتك أكثر رسمية، بإمكاني أن أعيد صياغتها لك".

تقول ليلى لـ"العربي الجديد": "الحرج من استخدام الذكاء الاصطناعي غير مبرر، لكن الكسل الذهني الذي وصلنا إليه هو ما يجعلنا نشعر بالحرج". في البداية، استعانت به لتطوير مهاراتها في التحليل النفسي، لكن علاقتها به أصبحت لاحقاً أكثر تعقيداً. تضيف: "بدأت أشاركه طبيعتي النفسية، وصرت أستشيره في المواقف اليومية التي أواجهها".

تدريجياً، بدأت تشعر بأن كثيراً من أعباء التواصل الاجتماعي، كما عرفتها قبل الذكاء الاصطناعي، يمكن تفويضها لهذه الأدوات: ردود العمل، والاعتذارات، ورسائل المعايدات والتعازي، وحتى كتابة المنشورات على "فيسبوك".

تقول: "الوضع في سورية اليوم يحتاج إلى لغة باردة، لذلك ألجأ إلى تشات جي بي تي ليُثقل رأيي بأمثلة من التاريخ الإنساني، وأيضاً ليخفف من حدة عباراتي". وتوضح ليلى أنها عدّلت طريقة تفاعلها مع التطبيق لتكون ردوده "ذكية، وتحليلية، ولبقة، وعاطفية قدر الإمكان". هكذا لم يعد بالنسبة إليها مجرد أداة لتحسين اللغة، بل أصبح وسيطاً بين الشعور الخام والكلام الذي يُفترض أن يعبّر عنه.

على سبيل الاختبار، طلبت من "تشات جي بي تي" كتابة منشور إعلان زواج، من دون تزويده بأي تفاصيل شخصية أو معلومات عن العلاقة، فجاء النص كالآتي: "لم أكن أبحث عن قصة كاملة، كنت أبحث عن طمأنينة تشبه البيت، عن شخص أستطيع أن أكون معه كما أنا، بلا خوف ولا ادّعاء... اليوم أشارككم خبراً عزيزاً على قلبي: تزوّجت من الإنسان الذي جعل الحب يبدو أهدأ، وأصدق، وأقرب إلى الحياة".

لا تكمن غرابة هذا النوع من النصوص في قدرتها على محاكاة اللغة العاطفية فحسب، بل في أنها تنتج خطاباً يبدو شخصياً وحميمياً من دون أي تجربة إنسانية فعلية تقف خلفه. فالذكاء الاصطناعي لا يعرف الحب أو الخسارة أو الحنين، لكنه يتقن إعادة تركيب الطريقة التي يعبّر بها البشر عن هذه المشاعر، مستنداً إلى ملايين النصوص التي تعلّم منها. ومع تطور هذه الأدوات، بات من الصعب أحياناً التمييز بين ما كُتب بدافع شخصي مباشر وما صيغ بشكل آلي، خصوصاً أن اللغة التي تنتج تبدو، في كثير من الأحيان، أكثر اتزاناً وبلاغة من اللغة اليومية نفسها.

حتى اليوم، لا تزال طريقة توليف النصوص عبر الذكاء الاصطناعي تبدو بدائية، بيد أن تطور هذه الأدوات يمشي بخطى واسعة، وحتى النسخ التي بين أيدينا اليوم تنتج لغة خالية من الأخطاء النحوية، وهذا وحده كافٍ لإثارة الشكوك بها، فهي تفتقد إلى الزلات، وأحياناً الركاكة التي يمكن أن تتخلل كتابة معظم الأشخاص.

لعل أكثر ما يكشف هذا التحول هو ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي من نقاشات كاملة يبدو فيها الجميع لبقين ومتزنين وعقلانيين على نحو مبالغ فيه، بينما يعتمد كل طرف، بشكل جلي، على أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة ردوده. يتراسل الناس عبر نصوص لا تشبههم تماماً، بل تشبه النسخة التي يرغبون في أن يراهم الآخرون بها.

من هنا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتداداً لتحول أقدم في علاقة البشر بصورتهم الاجتماعية. فالأفراد، منذ زمن، لا يقدمون ذواتهم كما هي، بل كما يرغبون أن تُرى. ومع وسائل التواصل الاجتماعي، أخذت هذه العملية شكلاً بصرياً. أما مع الذكاء الاصطناعي فانتقلت صناعة الصورة إلى مستوى اللغة نفسها.

الفجوة بين الشعور واللغة ليست من صنع الذكاء الاصطناعي؛ فهي قديمة قدم التعبير نفسه. لطالما شعر البشر بأن اللغة تخون ما يعيشونه في دواخلهم، وأن التجربة الإنسانية أوسع من القدرة على صياغتها بالكلمات، لهذا يجد كثيرون في الأغاني والقصائد والاقتباسات ترجمة لما يعجزون عن قوله بأنفسهم، لكن الذكاء الاصطناعي يدفع هذا العجز إلى مستوى آخر، ويُنتج شكلاً جديداً من الاغتراب، لا يعود فيه الإنسان غريباً عن عمله فقط، بل عن لغته أيضاً.

إذا كان مفهوم الاغتراب عند كارل ماركس يبدأ حيث لا يعود العامل يرى نفسه في منتَج عمله، فإن شكلاً جديداً من الاغتراب يظهر اليوم حين لا يعود الفرد يرى نفسه في لغته، فالرسالة التي يرسلها بمساعدة الذكاء الاصطناعي تحمل اسمه، وتؤدي موقفه، وربما تعبّر عن نية حقيقية لديه، لكنها تخلو من أثره الشخصي. إنها منتَج تعبيري يخرج إلى العالم بصفته كلامه.

لا يعني ذلك أن الرسالة المولّدة كاذبة بالضرورة، فقد يكون الشعور نفسه حقيقياً، لكن الصدق هنا ينفصل عن لغته. يشعر الفرد بشيء، ثم يرسله إلى العالم بصيغة أخرى أكثر ترتيباً وملاءمة وقبولاً، لكنها أيضاً أكثر نمطية، وأبعد عن أسلوبه الشخصي.

لهذا قد يشعر بعض المستخدمين بالذنب بعد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابة رسائل شخصية أو عاطفية، أو حتى في النقاشات العامة، وهذا الذنب لا يأتي فقط من شعورهم بأنهم مخادعون، بل من الإحساس بأن النص تجاوز صاحبه. كأن المستخدم يعرف، في مكان ما، الفرق بين ما شعر به فعلاً وما خرج إلى العالم باسمه.

ميار مهنا/العربي الجديد