د. كرم طفيلي/ استشاري في نظم المعلومات والتحول الرقمي
في العالم العربي، ولبنان تحديدًا، صارت مخاطر الإنترنت على الأطفال ملفًا صحّيًا/تربويًا بقدر ما هو ملف تقني. ذلك؛ لأن الطفل اليوم يدخل الشبكة من بوابة الهاتف غالبًا، وبزمن استخدام طويل، وبمستوى وعي أقل بكثير من مستوى ”ذكاء“ المنصّات المصمَّمة لالتقاط انتباهه.
قراءة علمية في الأسباب والمصادر والواقع العربي – اللبناني
لم يعد دخول الأطفال إلى الإنترنت حدثًا عابرًا أو سلوكًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا ثابتًا من حياتهم اليومية. الهاتف الذكي، والذي دخل البيوت بوصفه أداة تواصل أو تعلّم، تحوّل عمليًا إلى نافذة مفتوحة على عالم بلا حدود عمرية أو تربوية. المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود الإنترنت بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه، وغياب الضبط، والفجوة الكبيرة بين سرعة تطوّر التكنولوجيا وبطء الوعي المجتمعي.
إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأطفال اليوم يتعاملون مع بيئة رقمية صُمِّمت أساسًا للكبار، لكنهم يُلقَون فيها دون أدوات حماية أو فهم كافٍ لطبيعتها المعقّدة. (UNICEF & ITU, 2020)
حجم الظاهرة بالأرقام
وفقًا لتقرير مشترك صادر عن اليونيسف والاتحاد الدولي للاتصالات، هناك أكثر من 2.2 مليار طفل وشاب دون سن 25 عامًا لا يملكون اتصالًا بالإنترنت في منازلهم، في حين يدخل كثيرون منهم إلى الشبكة عبر وسائل غير مستقرة أو غير خاضعة للرقابة، مثل الهواتف المشتركة أو الشبكات العامة (UNICEF & ITU, 2020).
في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) وشمال أفريقيا، تظهر فجوة أوضح 160 : مليون طفل وشاب بلا إنترنت منزلي مقابل 56 مليون فقط لديهم اتصال ثابت، ما يعني أن الدخول غالبًا ما يكون عشوائيًا، غير منتظم، وغير آمن (UNICEF, MENA).
في لبنان، تكشف نتائج Global School-based Student Health Survey (GSHS) 2024 أن:
1. 70.6% من التلاميذ يستخدمون الإنترنت أكثر من 3 ساعات يوميًا.
2. نحو 10% من التلاميذ تعرّضوا للتنمّر الإلكتروني
هي نسب مرتفعة إذا ما قورنت بقدرات الرقابة الرقمية المتوفّرة داخل معظم البيوت اللبنانية (WHO & MoPH Lebanon, 2024).
مصادر الخطر الرقمية
أول مصادر الخطر هو المحتوى غير المناسب، فخوارزميات المنصّات الرقمية لا تميّز بين طفل وبالغ، بل تعتمد على مبدأ "ما يبقي المستخدم أطول وقت ممكن". هذا يؤدي إلى تعريض الأطفال تدريجيًا لمشاهد عنف، أو محتوى جنسي، أو أفكار مشوّهة عن الجسد والعلاقات والهوية (Livingstone & Smith, 2014).

المصدر الثاني يتمثّل في التواصل مع الغرباء، توضح تقارير اليونيسف أن الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت غالبًا ما يبدأ بعلاقة تبدو "ودية"، ثم تتطور تدريجيًا إلى طلب صور أو معلومات شخصية، قبل أن تتحوّل إلى ابتزاز نفسي أو مادي (UNICEF, Online Protection). هذه الظاهرة موثّقة عالميًا، ولا تستثني المجتمعات العربية؛ على الرغم من حساسيتها الاجتماعية.
أما المصدر الثالث فهو التنمّر الإلكتروني، والذي يختلف عن التنمّر التقليدي بكونه مستمرًا، واسع الانتشار، ويصعب الهروب منه. الطفل قد يتعرّض للإهانة أو التشهير في أي وقت، حتى داخل منزله، ما يترك آثارًا نفسية طويلة الأمد تشمل القلق، العزلة، وتدنّي تقدير الذات (OECD, 2021).
لماذا تتفاقم المخاطر في العالم العربي ولبنان؟
تشير دراسات إقليمية إلى أربعة عوامل رئيسة:
1. الاعتماد شبه الكامل على الهواتف الذكية بدل الحواسيب، ما يصعّب المراقبة التقنية (Internet Society, MENA).
2. ضعف ثقافة الأهل الرقمية مقارنة بسرعة تعلّم الأطفال للأدوات.
3. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى استخدام الإنترنت بصفته حلًّا سريعًا لملء الفراغ.
4. ثقافة الخجل والخوف من الفضيحة، والتي تمنع الأطفال من الإبلاغ عند التعرّض للتحرّش أو الابتزاز (ISF Lebanon).
في لبنان تحديدًا، أظهرت حملات التوعية الصادرة عن شعبة مكافحة الجرائم المعلوماتية، في قوى الأمن الداخلي، ارتفاعًا في بلاغات الابتزاز الإلكتروني، مع وجود حالات غير مُبلَّغ عنها خوفًا من الوصم الاجتماعي (ISF, Lebanon).
التأثيرات النفسية والتربوية
لا تقتصر المخاطر على لحظة التعرّض، بل تتراكم ببطء. الاستخدام المفرط للشاشات يرتبط بــ:
1. انخفاض القدرة على التركيز.
2. ضعف التحصيل الدراسي.
3. اضطرابات النوم.
4. زيادة معدلات القلق والاكتئاب عند الأطفال والمراهقين (OECD, 2021).
كما تحذّر منظمة الصحة العالمية من أن غياب التوازن الرقمي، في مرحلة الطفولة، قد يترك آثارًا طويلة المدى على النمو العاطفي والاجتماعي (WHO).

خلاصة
الإنترنت ليس عدوًا للأطفال، لكنه ليس مساحة محايدة. هو بيئة تجارية، خوارزمية وسريعة التأثير. الخطر الحقيقي لا يكمن في الوصول، بل في الاستخدام غير الموجَّه.
حماية الأطفال رقميًا لم تعد خيارًا إضافيًا، بل مسؤولية تربوية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة. وكل تأخير في بناء هذا الوعي يعني ترك جيل كامل يتعلّم العالم من مصادر لا ترى فيه طفلًا… بل مستخدمًا فقط.
يرى علماء النفس أن الثقة تبدأ بالتكوّن منذ الشهور الأولى من حياة الطفل
هناك معايير إذا وضعتها في الحسبان ستوفر عليها كثيرًا من عبء القلق والخوف.

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال