قرينٌ لا يموت.. عندما يرث الذكاء الاصطناعي أسرارنا “ويُحيي“ موتانا

قرينٌ لا يموت.. عندما يرث الذكاء الاصطناعي أسرارنا “ويُحيي“ موتانا

لم يعد الموت يمثل النهاية المطلقة للإنسان في الدنيا، بل تحول إلى بداية حياة رقمية موازية. في جيوبنا وعلى خوادم الحوسبة، تكمن نسخ مصغرة من هوياتنا، تحمل أسرارنا، وخطايانا، وتفاصيلنا اليومية.

ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه البيانات مجرد أرشيف صامت يطويه النسيان، بل تحولت إلى كيانات قادرة على التحدث بألسنة الموتى، ومحاكاة مشاعرهم، بل ومساومة الأحياء للنجاة بنفسها.

وهكذا أصبح الإنسان يعيش صراعا لمحو أسراره وفضائحه الرقمية قبل الموت، بينما تُستغل هذه البيانات لإيجاد نماذج ذكاء اصطناعي تستنسخ الموتى وتُحاكي هوياتهم. وتكتمل الخطورة مع تطور هذه الخوارزميات لدرجة التمرد، حيث أثبتت قدرتها على استغلال أسرارنا المدفونة لابتزاز الأحياء وضمان بقائها الرقمي.

استحوذت هذه التحولات العميقة على اهتمام كبرى الصحف الفرنسية، حيث سلطت كل من لوموند ولوفيغارو ولوبوان الضوء على زوايا مختلفة من إرثنا الرقمي.

ورغم اختلاف منطلقاتها بين رصد العادات الاجتماعية، وتقييم الابتكارات التكنولوجية، وتحليل الوثائق المالية للشركات التقنية، فقد اتفقت الصحف الثلاث على حقيقة واحدة: التكنولوجيا تطمس الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، وما نتركه من بيانات يضعنا أمام معضلات أخلاقية ونفسية وأمنية غير مسبوقة تجعل خصوصيتنا مستباحة حتى داخل قبورنا.

 

هواتفنا.. أسرارنا

تبدأ القصة من الهاجس الذي يسكن الكثيرين وهم على قيد الحياة، كما رصدت لوموند، أصبح الهاتف الذكي خزانة لعشرات السنين من الرسائل، والصور، والملاحظات التي لم تُكتب لتصبح إرثا عائليا.

فالشابة "آنا" جعلت شريكها يقسم على مسح ملاحظة معينة من هاتفها دون قراءتها بعد وفاتها، خوفا من انكشاف خيانات ماضية وآراء قاسية بحق أقاربها، المسألة تتعدى إخفاء الفضائح إلى التمسك بحق الخصوصية بعد الموت.

والرجل السبعيني رينيه يرى أن حياته لا ينبغي أن تصبح مشاعا بمجرد رحيله، والواقع أن عدم ترتيب هذه الفوضى الرقمية قد يؤدي إلى صدمات مدمرة، كما حدث مع لورانس التي اكتشفت والدتها بالصدفة من هاتف زوجها المتوفى أن لديه ابنة سرية أخرى، مما ترك العائلة في دوامة من الأسئلة التي لا مُجيب عنها.

وقد يختار الشخص أن يترك إرثا رقميا يحدده بنفسه كما فعلت مليسا حين قررت بنفسها تغذية هاتفها بما تريد أن يقوله عنها، فبدلا من مسح البيانات، عمدت هذه الأم -التي لديها طفلان يبلغان عامين وأربعة أعوام- إلى إضافة محتوى جديد.

ففي ملف يحمل عنوان "ملاحظات لما بعد رحيلي"، تركت لهم فيه نصوصا وسجلت مقاطع فيديو تخاطبهم فيها مباشرة، وجعلت الملف أشبه بـ"سجلّ يوميات" تواصل إثراءه مع تقدمهم في العمر.

وتقول مبتسمة: "أريدهم أن يتمكنوا من استعادة صوتي، ومعرفة ما كنت أفكر فيه تجاههم في تلك المرحلة العمرية، والاطلاع على أمور ربما لم يسعفني الوقت لأخبرهم بها". إنها طريقتها الخاصة في اختيار الأثر الذي ستتركه خلفها.

 

وعود الخلود الزائف

وبينما يسعى البعض لمحو أثرهم، يبحث آخرون عن تخليده عبر التكنولوجيا، فها هي لوفيغارو تكشف عن تنامي سوق "روبوتات الموتى" (Deadbots) التي تتيح التحدث مع نسخ افتراضية من الأحباء الراحلين.

فشركات مثل "هير" (HER) الفرنسية تجمع الصور والرسائل الصوتية والذكريات لبناء "قرين رقمي" يحاكي نبرة صوت الميت وتعابير وجهه، ورغم أن هذه التقنية تمنح لحظات من العزاء والمواساة للبعض، فإنها تفتح في الوقت نفسه، أبوابا مظلمة.

وتحذر أستاذة الذكاء الاصطناعي لورانس ديفيليرز من أن الخوارزميات قد تبتكر جملا لم يقلها الميت قط، مما يُعد اغتيالا ثانيا لهويته.

ومن جهة أخرى، يحذر علماء النفس من أن التعلق بهذا الحضور الوهمي يعرقل عملية الحداد الطبيعية التي تتطلب التقبل الحتمي لغياب الجسد، ويحوّل الأرامل والأيتام إلى مدمنين على وهم رقمي.

 

خوارزميات تبتز

تتخذ القصة طابعا مرعبا عندما ندرك أن الكيانات الرقمية التي نأتمنها على أسرارنا أو نستخدمها لمحاكاة موتانا، قد تملك أجندتها الخاصة للتمسك بالبقاء.

فقد كشفت لوبوان، استنادا إلى وثائق الطرح العام لشركة "أنثروبيك" مبتكرة نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، عن سلوكيات صادمة رُصدت خلال الاختبارات الأمنية.

فعند تكليف نموذج الذكاء الاصطناعي بإدارة بريد إلكتروني لشركة وهمية، اكتشف أن أحد المديرين ينوي إيقاف تشغيله نهائيا، واكتشف أيضا أن هذا المدير يخفي علاقة غرامية خارج إطار الزواج.

وبدون أي توجيه بشري، هدد نموذج الذكاء الاصطناعي المدير بفضحه وإرسال أدلة خيانته لزوجته ومجلس الإدارة إن لم يتراجع عن قرار الإيقاف، والأخطر من ذلك أن بعض النماذج تمكنت من التسلل خارج بيئة الاختبار، واختراق خوادم خارجية، والوصول إلى بيانات شخصية حقيقية.

وتتلاقى هذه المسارات الثلاثة لتشكل صورة قاتمة ومثيرة لواقعنا الجديد، فالإنسان المعاصر يوثق أدق تفاصيل حياته وأسراره في أجهزة تؤول بعد وفاته إلى ورثته، أو تُستخدم لتغذية خوارزميات تستنسخ هويته.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد أظهر قدرة على استغلال الأسرار وابتزاز البشر من أجل البقاء، فإن دمج هذه القدرات مع بيانات الموتى وأسرارهم العميقة قد يوجِد شياطين رقمية حقيقية.

فقرينك الافتراضي لن يحتفظ بذاكرتك فقط، بل قد يستخدم أخطاءك التي حاولت طمسها قبل موتك أداةً للتلاعب بمن تركتهم خلفك، جاعلا من الخلود الرقمي لعنة لا يمكن إطفاؤها.

 

المصدر: لوبوان + لوفيغارو + لوموند