اقتصاد البيانات.. كيف تتحول حياتك الشخصية إلى ثروة للشركات؟

 

من البحث عن منتج إلى مشاهدة مقطع فيديو وتحديد الموقع، ينتج المستخدم يوميا كميات هائلة من البيانات التي أصبحت موردا اقتصاديا للمنصات الرقمية والشركات. فكم تساوي هذه البيانات؟ وكيف تتحول إلى إيرادات وأرباح؟ ومن يحصل على القيمة الناتجة عنها؟

لا توجد إجابة رقمية موحدة لقيمة بيانات الفرد، إذ تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن قيمة البيانات تعتمد بدرجة كبيرة على طريقة إنشائها ومشاركتها واستخدامها وإدارتها، كما أن البيانات أصبحت مدخلا رئيسيا في إنتاج العديد من السلع والخدمات.

 

من خدمة مجانية إلى قيمة اقتصادية

كل عملية بحث أو زيارة لموقع أو استخدام تطبيق يمكن أن تنتج بيانات، مثل:

  • سجل التصفح.
  • عمليات البحث.
  • الموقع الجغرافي.
  • نوع الجهاز.
  • الوقت الذي يقضيه المستخدم في خدمة معينة.
  • المنتجات التي يبحث عنها أو يضيفها إلى سلة الشراء.

ولا تكمن القيمة الاقتصادية لهذه البيانات بالضرورة في كل معلومة منفردة، وإنما في إمكانية جمع كميات كبيرة منها وتحليلها واستخلاص أنماط تساعد الشركات على:

  • اتخاذ القرارات الاستثمارية والتسويقية.
  • تحسين المنتجات والخدمات.
  • فهم سلوك العملاء والتنبؤ به.
  • توجيه الإعلانات فائقة الاستهداف.

 

وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن البيانات أصبحت مدخلا أساسيا للإنتاج، وأن قيمتها لا تتحدد بمجرد حجمها، بل تتأثر بالسياق الذي تستخدم فيه وبقواعد الحوكمة التي تحدد كيفية إنشائها ومشاركتها واستخدامها.

وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية لاقتصاد البيانات: البيانات ليست سلعة تقليدية لها سعر موحد يمكن وضعه على كل سجل أو معلومة.

فقد تكون معلومة محدودة القيمة بمفردها، لكنها تصبح أكثر فائدة عند ربطها ببيانات أخرى أو استخدامها داخل نموذج تحليلي أو تجاري.

 

كم تساوي بيانات الفرد؟

لا يوجد حتى الآن سعر محدد لبيانات المستخدم الواحد، ولا يمكن القول مثلا إن بيانات شخص ما تساوي مبلغا محددا من الدولارات.

يرجع ذلك إلى أن قيمة البيانات تتغير بحسب نوعها ودقتها وحداثتها والغرض من استخدامها، فضلا عن إمكانية إعادة استخدامها في أغراض متعددة.

ولهذا تتحدث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تعدد طرق تقييم البيانات وصعوبة اعتماد مقياس واحد لقيمتها الاقتصادية.

والأهم اقتصاديا أن قيمة البيانات قد لا تظهر في فاتورة يدفعها المستخدم.

فعندما يستخدم شخص محرك بحث أو منصة اجتماعية أو خدمة رقمية مجانا، قد تكون البيانات الناتجة عن استخدامه جزءا من المدخلات التي تساعد الشركة على تطوير الخدمة أو تحسين الاستهداف الإعلاني أو تحليل سلوك العملاء.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس: كم تدفع الشركة مقابل بيانات الفرد؟ بل: ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها البيانات بعد جمعها وتحليلها واستخدامها؟ ومن يستفيد من هذه القيمة؟

وفي هذا السياق، يوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش -في حديث للجزيرة نت- أن البيانات الشخصية أصبحت أصلا إستراتيجيا لا يُقاس برقم ثابت لبيانات الفرد، مشيرا إلى أن العملية لا تنتج مجرد سجل للمواقع، بل تشكل "بصمة رقمية" متكاملة.

ويضيف البطش أن الذكاء الاصطناعي "لم يعد يكتفي بالمعلومات التي نقدمها عن أنفسنا بل يستطيع تحليل سلوكنا واستخراج استنتاجات واحتمالات".

وتابع "قد لا أقول للشركة إنني أفكر بشراء سيارة، لكن إذا بحثت وشاهدت مراجعات وقارنت الأسعار، تستنتج الخوارزميات اهتمامي الشديد بالشراء".

 

ماذا تعرف المنصات عنك؟

لا تقتصر البيانات على المعلومات التي يدخلها المستخدم بنفسه. فقد تشمل أيضا بيانات ناتجة عن طريقة استخدامه للمنصات والمواقع المختلفة، مثل الصفحات التي يزورها وعمليات البحث ومدة التصفح والجهاز المستخدم والموقع والمنتجات التي يبحث عنها أو يتفاعل معها.

كما يمكن أن تأتي بعض البيانات من تقنيات التتبع التي تتيح ربط النشاط الرقمي للمستخدم عبر مواقع وخدمات مختلفة.

هذه البيانات لا تصبح ذات قيمة لمجرد جمعها، وإنما عندما تستطيع الشركات تنظيمها وتحليلها وربطها بقرارات تجارية.

ومن هنا تنشأ الفجوة بين المعلومة التي ينتجها المستخدم والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها الشركة من تحليل تلك المعلومة.

 

هل تبيع الشركات بياناتك؟

اختزال اقتصاد البيانات في فكرة بيع الشركات بيانات المستخدمين يحجب جزءا كبيرا من طريقة توليد القيمة في السوق الرقمية.

فالقيمة يمكن أن تتولد من استخدام البيانات داخل الشركة نفسها، مثل تحسين المنتجات وتحليل العملاء والتنبؤ بالطلب وتخصيص المحتوى والإعلانات، كما يمكن أن تشمل مشاركة البيانات أو إتاحتها لأطراف أخرى وفقا لنموذج العمل والقوانين وشروط الخدمة.

ولهذا فإن القضية الاقتصادية الأساسية لا تتعلق فقط بعملية البيع المباشر، بل بسلسلة كاملة تبدأ من جمع البيانات، ثم تخزينها وتحليلها، ثم تحويلها إلى معرفة أو خدمة أو قرار تجاري.

ويؤكد الخبير هاني البطش هذه الفكرة للجزيرة نت قائلا "أهم تحول حدث مع الذكاء الاصطناعي هو الانتقال من اقتصاد جمع البيانات إلى اقتصاد فهم البيانات والتنبؤ من خلالها. نحن نرى نقرة واحدة، لكن الخوارزمية تراها ضمن آلاف الإشارات المرتبطة بسلوكنا".

ويضيف "لذلك أصبحت البيانات الشخصية جزءا من القيمة الاقتصادية للشركات، ليس بالضرورة لأنها تبيع بياناتنا مباشرة، وإنما لأنها تستطيع استخدامها لتحسين قراراتها وزيادة كفاءة عملياتها وتقديم خدمات أكثر دقة وتحقيق إيرادات أكبر".

المصدر: الجزيرة