معركة الذاكرة.. كيف يرفع الذكاء الاصطناعي أسعار الهواتف والحواسيب الشخصية؟

معركة الذاكرة.. كيف يرفع الذكاء الاصطناعي أسعار الهواتف والحواسيب الشخصية؟

لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تضغط على المعالجات ومراكز البيانات فقط، بل بدأت تمتد إلى الذاكرة، وهو المكون الأقل لفتا للانتباه والأكثر التصاقا بأجهزة المستخدمين.

ومع التوسع السريع في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، ارتفع الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي، وعلى ذاكرة الخوادم ومحركات أقراص الحالة الصلبة المخصصة لمراكز البيانات.

وفي الوقت نفسه، ظلت الهواتف والحواسيب الشخصية بحاجة إلى ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية وذاكرة الفلاش من نوع ناند، لكن ضمن سوق أصبحت فيه القدرة التصنيعية أكثر ازدحاما وأعلى تكلفة.

ولا يعني ذلك أن مراكز البيانات تشتري ذاكرة الهواتف نفسها، إنما يتنافس الطرفان بصورة غير مباشرة على طاقة التصنيع والمواد والقدرات المتقدمة.

ومع إعادة توجيه جزء أكبر من هذه الطاقة إلى منتجات الذكاء الاصطناعي الأعلى أولوية، ارتفعت أسعار بعض أنواع الذاكرة التقليدية، وبدأت شركات الأجهزة بتمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك أو تقليص المواصفات للحفاظ على الأسعار.

 

الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة في سوق الذاكرة

تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة إلى نقل كميات كبيرة من البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة بسرعة عالية، وهو ما جعل ذاكرة النطاق الترددي العالي عنصرا أساسيا في مسرعات الذكاء الاصطناعي.

وتختلف ذاكرة النطاق الترددي العالي عن ذاكرة الوصول العشوائي أو ذاكرة الوصول العشوائي المزدوجة المنخفضة الطاقة الموجودة في الحواسيب والهواتف، لكنها في جوهرها تعتمد على ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية.

وتستخدم تقنيات تكديس ثلاثية الأبعاد، تربط طبقات الذاكرة بآلاف المسارات العمودية العابرة للسيليكون من أجل توفير نطاق ترددي كبير بالقرب من المعالج.

لكن هذا الأداء المرتفع يأتي بتكلفة تصنيعية، إذ تستخدم الشركات المصنعة للذاكرة جزءا من قاعدة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لإنتاج ذاكرة النطاق الترددي العالي، التي تتطلب قدرا أكبر من طاقة الرقاقة لكل بت.

ويتطلب إنتاج كل بت من ذاكرة النطاق الترددي العالي طاقة تصنيع على مستوى الرقاقة أكبر بنحو 3 أضعاف مما يحتاجه تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المتزامنة بمعدل نقل بيانات مزدوج من الجيل الخامس، وهو ما يجعل قرار تخصيص السعة ذا أثر مباشر في المعروض من المنتجات الأخرى.

كما أن ذاكرة النطاق الترددي العالي تشغل حصة متزايدة من طاقة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لدى أكبر الموردين.

وتقدر "تريند فورس" أن ذاكرة النطاق الترددي العالي قد تتطلب نحو 22% من إجمالي مدخلات رقاقات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لدى الشركات الثلاث الكبرى بحلول نهاية 2026، مقابل 18% في نهاية عام 2025، على أن ترتفع النسبة إلى 30% في عام 2027.

ويقلل توجيه جزء من طاقة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية إلى ذاكرة النطاق الترددي العالي كمية الذاكرة التقليدية التي يمكن إنتاجها بالطاقة نفسها، ولهذا يتحدث قطاع الذاكرة عن تأثير الإزاحة.

وكلما توسع الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي، أصبح من الصعب زيادة إنتاج جميع أنواع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية بالسرعة نفسها.

 

مراكز البيانات تضغط من جهتين

لا تتوقف قصة الذاكرة عند ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، حيث تحتاج مراكز البيانات أيضا إلى كميات متزايدة من التخزين السريع لتشغيل استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدعم الطلب على محركات أقراص الحالة الصلبة المخصصة للمؤسسات.

وتشير "سامسونغ " نفسها إلى أنها تتوقع استمرار الطلب على حلول ذاكرة الفلاش من نوع ناند المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لا سيما حلول التخزين العالية الأداء المستخدمة في عمليات الاستدلال، بالتوازي مع نمو ذاكرة النطاق الترددي العالي.

وهكذا تؤثر طفرة الذكاء الاصطناعي في سوق الذاكرة عبر مسارين مختلفين، أولهما ضغط ذاكرة النطاق الترددي العالي على جانب ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، وثانيهما تعزيز استخدامات مراكز البيانات للطلب على محركات أقراص الحالة الصلبة للمؤسسات في سوق ذاكرة الفلاش من نوع ناند.

وفي يوليو/تموز، توقعت "تريند فورس" ارتفاع أسعار عقود ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية التقليدية بين 13 و18% في الربع الثالث من عام 2026، وارتفاع أسعار ذاكرة الفلاش من نوع ناند بين 10 و15%، رغم تباطؤ وتيرة الصعود مقارنة بالقفزات التي شهدها السوق في بداية العام.

وقالت إن ارتفاع الأسعار بدأ يدفع المشترين في سوقي الهواتف والحواسيب إلى حدود القدرة على تحمل مزيد من الزيادات.

 

سباق الشركات المصنعة على السعة

تقود هذه التغييرات 3 شركات تسيطر على أكثر من 90% من السوق العالمية لذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، وهي "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" و"ميكرون"، ولكل منها إستراتيجيتها في التعامل مع طفرة ذاكرة النطاق الترددي العالي.

وأعادت هذه الشركات توجيه طاقتها التصنيعية بشكل ممنهج نحو ذاكرة النطاق الترددي العالي وذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المتزامنة بمعدل نقل بيانات مزدوج من الجيل الخامس الموجهة للمؤسسات، حتى لو أدى ذلك إلى نقص في السوق الاستهلاكية.

وبدأت "إس كيه هاينكس" مبكرا في الاستثمار بكثافة في تقنية ذاكرة النطاق الترددي العالي، وواصلت خلال عام 2026 توسيع إنتاج هذه النوعية من الذاكرة، وأعلنت عبر نتائجها للربع الثاني أنها أبرمت اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع نحو 10 عملاء، مع استمرار مفاوضات إضافية لتأمين الطلب المستقبلي.

وقالت الشركة إن الطلب على ذاكرة الذكاء الاصطناعي والذاكرة التقليدية يتوسع بالتوازي مع نمو الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

أما "سامسونغ"، فقد سارعت في تحويل خطوط إنتاج قديمة إلى خطوط متخصصة في ذاكرة النطاق الترددي العالي، خاصة في مجمع بيونغتايك، مع استخدامها الجيل السادس من تقنيات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية في فئة 10 نانومتر مع قاعدة منطقية مصنعة بدقة 4 نانومتر لتعزيز الأداء.

وتتوقع الشركة أن تتجاوز مبيعات ذاكرة النطاق الترددي العالي في عام 2026 3 أمثال مبيعات عام 2025، في وقت تعمل فيه على زيادة طاقة إنتاجها، إذ ارتفعت حصتها من سوق ذاكرة النطاق الترددي العالي إلى نحو 33% في الربع الثاني من عام 2026، وفقا لتقديرات "كاونتربوينت".

وفي المقابل، أعلنت "ميكرون" في مارس/آذار 2026 دخول الجيل الجديد من ذاكرة النطاق الترددي العالي مرحلة الإنتاج بكميات كبيرة، بالتوازي مع إنتاج وحدات أقراص التخزين الصلبة من الجيل السادس لمراكز البيانات وحلول ذاكرة منخفضة الطاقة موجهة إلى منصات الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت "ميكرون" في ديسمبر/كانون الأول 2025 خروجها من نشاط "كروشال" الموجه للمستهلكين، وقالت إن نمو الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات كان من الأسباب التي دفعتها إلى إعادة توجيه الإمدادات نحو العملاء الإستراتيجيين والقطاعات الأسرع نموا.

 

من رقاقات المصانع إلى سعر الهاتف

بدأ أثر هذا التحول بالظهور في تكلفة مكونات الهواتف نفسها، إذ ارتفعت أسعار ذاكرة الهواتف بأكثر من 80% على أساس فصلي في الربع الثاني من عام 2026، وذلك وفقا لشركة "كاونتربوينت".

وأدى ذلك إلى إعادة تشكيل هيكل تكلفة الأجهزة بصورة غير مسبوقة، إذ ارتفعت تكلفة المكونات في الهواتف المنخفضة السعر بنحو 70% على أساس سنوي، وكان الجزء الأكبر من الزيادة مرتبطا بالذاكرة.

وفي الفئة المتوسطة بلغت الزيادة نحو 52%، بينما أصبحت ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية أغلى مكون منفرد في بعض الهواتف الرائدة متجاوزة المعالج الرئيسي.

وتظهر آثار الأزمة بوضوح أكبر في الفئات الأرخص، لأن هوامش الربح فيها محدودة أصلا، ولذلك فإن زيادة تكلفة الذاكرة تمثل عبئا أكبر على المصنع.

وتشير "كاونتربوينت" إلى أن الضغط على الشريحة الأقل سعرا من السوق دفع الشركات إلى إجراءات، مثل تأخير بعض الإطلاقات، وإطالة دورة تحديث المنتجات، وتقديم ذاكرة أو تخزين أقل للحفاظ على السعر أو الهامش. كما تتعرض الهواتف التي يقل سعرها عن 200 دولار لضغوط متزايدة.

وتؤكد بيانات أحدث من وكالة رويترز أن المشكلة لم تعد مجرد توقعات نظرية، إذ بدأت الشركات الأصغر لتصنيع الهواتف والحواسيب بإعادة تصميم منتجاتها وتأمين رقاقاتها مسبقا لمواجهة نقص تتوقع استمراره حتى عام 2027.

كما أشارت الوكالة إلى أن الذاكرة قد تصل إلى 60% من تكلفة مكونات هاتف يبلغ سعره 400 دولار في بعض الحالات.

وتتوقع "كاونتربوينت" حاليا انخفاض شحنات الهواتف الذكية العالمية بنحو 14.3% في عام 2026، في أكبر انكماش سنوي متوقع في تاريخ السوق، مع تعرض الفئة الواقعة دون 200 دولار لضغط أشد.

 

المصدر: الجزيرة

 

مواضيع مرتبطة