عمالقة التكنولوجيا تحت مجهر القضاء: “ميتا“ وتحديات الإدمان والتحقق من سلامة الأطفال

عمالقة التكنولوجيا تحت مجهر القضاء: “ميتا“ وتحديات الإدمان والتحقق من سلامة الأطفال

تخوض شركة "ميتا" (Meta)، المالكة لمنصتي "فيسبوك" و"إنستغرام"، واحدة من أكبر المواجهات القانونية والتشريعية في تاريخها، حيث تواجه سيلًا متصاعدًا من الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة والعالم. وتتركز هذه القضايا حول اتهامات بتصميم منصاتها الرقمية عمداً لتشجيع الاستخدام القهري والإدمان لدى المراهقين والأطفال، والتضليل بشأن مستويات الأمان وخداع الجمهور، إضافة إلى انتهاك قوانين حماية خصوصية القاصرين.

 

1. اتهامات متزايدة بالاستخدام القهري وإخفاء المخاطر

تستهدف الدعاوى القضائية—التي يقودها مدعون عامون من عشرات الولايات الأمريكية بالتحالف مع أسر وهيئات تعليمية—خصائص تقنية محددة في تطبيقات ميتا، مثل:
* التمرير اللانهائي (Infinite Scroll).
* الإشعارات المستمرة وآليات التوصية وخوارزميات الجذب.

وتشير الادعاءات إلى أن هذه الخصائص صُمّمت لإبقاء القاصرين لأطول فترة ممكنة على المنصات. وتكشف الوثائق والادعاءات القضائية (مثل دعوى ولاية تينيسي) أن مارك زوكربيرغ والإدارة التنفيذية رُفعت إليهم تحذيرات متكررة وأبحاث داخلية تظهر الأضرار النفسية والاجتماعية التي تمس الشباب، إلا أن الشركة فضّلت استمرار التفاعل والمكاسب المالية على حساب تمويل آليات الحد من هذه الأضرار.

كما تتضمن الاتهامات جمع واستخدام بيانات أطفال دون سن الــ 13 عاماً بدون موافقة أولياء الأمور، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً لقانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت (COPPA).


2. محاكمات تاريخية وتهديدات بغرامات تريليونية

تشهد المحاكم الأمريكية جولات متتالية ومصيرية ضد الشركة:
1- محاكمة أوكلاند (كاليفورنيا): بدأت في أغسطس 2026 محاكمة بناءً على دعوى مرفوعة من 29 ولاية أمريكية أمام القاضية الفدرالية إيفون غونزاليس روجرز. وتواجه ميتا في هذه القضية مخاطر مالية قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار بحسب طريقة الاحتساب المعتمدة في قوانين الولايات.
2- سلسلة تعويضات وسوابق: سبق وأن صدرت أحكام وقرارات قضائية بفرض غرامات وتعويضات ضخمة (مثل غرامة بقيمة 375 مليون دولار في ولاية نيو مكسيكو)، إضافة إلى تسوية قانونية كبرى تقدر بــ 18 مليار دولار للتعامل مع مطالب عشرات المدعين العامين.
3- مطالبات بالتغيير الهيكلي: لا تقتصر مطالب السلطات على التعويضات المالية، بل تصر على إلزام ميتا بتعديل خوارزمياتها، وفرض قيود على السن الأدنى، وإزالة الميزات التي تسبب الإدمان القهري.


3. معضلة التحقق من العمر: بين أمان القاصرين وحماية الخصوصية

في إطار التسويات والضغوط التنظيمية، ألزمت الجهات الرقابية شركة ميتا (وغيرها من المنصات مثل تيك توك وروبلكس وغوغل) بتطوير أدوات دقيقة للتحقق من أعمار المستخدمين.

غير أن حلول التحقق تشهد تعقيدات تقنية وخلافات محتدمة:
1. الذكاء الاصطناعي والتقدير التقريبي: تعتمد الشركات على تقنيات تقدير السن بالذكاء الاصطناعي وتحليل صور الفيديو (عبر خدمات مثل Yoti وPersona) والإشارات السياقية (مثل نمط النشاط والمنشورات). لكن هذه التقنيات تظل "تقديرية" وليست توثيقاً رسمياً، وتواجه تقارير عن نسبة أخطاء ومخاوف من عدم الدقة.
2. الخلاف حول المسؤولية: تطالب "ميتا" بأن تقع مسؤولية التحقق من العمر على متاجر التطبيقات (مثل آبل وغوغل)، بينما تعترض غوغل مؤكدة أن هذا المقترح يستثني الأجهزة المشتركة وأجهزة الكمبيوتر.
3. تحديات الخصوصية وهجمات الأمن السيبراني: تثير إجراءات التحقق الإلزامية مخاوف حقوقية كبيرة؛ إذ تحذر منظمات حقوقية (مثل *Electronic Frontier Foundatio) من أن ربط الهويات الحقيقية وبطاقات الهوية أو صور الوجه بالحسابات الرقمية قد يعرض البيانات الحساسة للاختراق والتسريب، ويتحول إلى قيد على حرية التعبير ووصول البالغين إلى المحتوى.


4. موقف شركة "ميتا" ودفاعاتها

في المقابل، ترفض ميتا هذه الاتهامات وتؤكد على الاتي:

* تعزو الشركة موقفها إلى المادة (230) من قانون آداب الاتصالات الأمريكي، والتي تحمي المنصات من المسؤولية القانونية عما ينشره المستخدمون (الأطراف الثالثة).
* تشدد على أن الادعاءات تفتقر إلى أدلة حاسمة تثبت وجود رابط سببي مباشر بين استخدام المنصات والأضرار النفسية المنسوبة إليها.
* تؤكد الشركة أنها طوّرت عشرات الأدوات المخصصة للرقابة الأبوية، وحماية المراهقين، وتقييد المحتوى غير المناسب لضمان بيئة آمنة.


ختاماً، تشكل هذه المعارك القضائية تحولاً جذرياً في التعاطي الدولي مع شركات التكنولوجيا الكبرى. فلم تعد المسألة تقتصر على حرية النشر، بل أصبحت تتعلق بالمسؤولية القانونية عن التصميم البرمجي والأبعاد النفسية والاجتماعية لاستخدام الأطفال للتكنولوجيا. وسوف ترسم أحكام القضاء في هذه القضايا خريطة طريق جديدة لإعادة تشكيل شبكات التواصل الاجتماعي وتحديد الحدود بين حماية الأطفال وصيانة خصوصية المستخدمين.