في الحروبِ؛ نقفُ أمام عيونِ صغارنا عاجزين عن مسح غبار الخوف عنها؛ وكأنَّ الخوف شبحٌ ينزحُ معنا، يحملُ أمتعتنا، ويشاركنا لقيمات الخبز وساعات النهار، حتى يسكنُ وسائدنا في الليل. لا شيء يوقفُ عجلة الخوف تلك، إلا بصيرةٌ تجمعُ بين الذكر والفكر، وتخيطُ بهما ترنيمةً دافئةً ندسُّها في مسامع الأطفال كقصةٍ مثيرةٍ قبيل النوم. من بين تلك القصص المميزة، في أدب الأطفال، تبزغُ قصة "حياة الأشباح صعبة" للكاتبة أمل ناصر؛ لتساعدنا في تفكيك عقدة خوف صغارنا، وربما تقتحمُ عالم الكبار أيضًا، ترسمُ بسمةً ساخرةً تهزأُ من مخاوفنا القديمة.
تُعالج القصةُ، في الناحية التربوية، الخيالَ السلبيَّ عند الأطفال. هو الخيال الذي يستخدم فيه الطفل قدراتِهِ الذهنيةَ؛ لبناء تصوراتٍ ومواقفَ تسبب له الخوف، أو تدفعه إلى الانعزال والهروب من الواقع، نتيجةً لضغوطٍ نفسية أو تربوية معينة. من المنظور التربوي؛ لا يُعدُّ الخيالُ بحدِّ ذاته مشكلةً، بل هو مرحلة طبيعية من مراحل النمو العقلي؛ لكنَّه يتحول إلى مسارٍ سلبي أو مرضيٍّ عندما يعيق توافقَ الطفل الاجتماعي والدراسي.
من المظاهر التربوية لهذا الخيال السلبي: تجسيد المخاوف الوهمية، مثل تخيُّل وجود وحوشٍ أو كائنات مرعبة تحت السرير أو في الظلام، ما يؤثر سلبًا في نوم الطفل واستقراره الانفعالي.
ذلك تمامًا ما ترتكز عليه قصة "حياة الأشباح صعبة" مع بطلها "السيد شَبَحْبَحْ"؛ إذ تصطحبُ الطفل في رحلةٍ خيالية تضعه أمام مرآة مخاوفه وجهًا لوجه، في تجربةٍ تُشبه عملية عصفٍ ذهني مُصغَّرة تراعي سماتِ مرحلة الطفولة المبكرة.
تآزرت الكلماتُ مع رسومات الفنانة لينا ندّاف التي أبدعت في تجسيد شخصية الشبح. في بداية القصة، أدى اللون الأسود دورًا محوريًا في التعبير عن مخاوف الطفل؛ مستحوذًا على خلفيات الصفحات، لينسحب بعد ذلك تاركًا مكانه للون الأبيض؛ كأنه نور النهار الذي جلا ظلام الخوف الوهمي القابع في المخيلة الطفولية. أعربت الرسامة لينا ندّاف عن سعادتها برسم نص قصة "حياة الأشباح صعبة"؛ لأنها وجدته يُشبع فضول طفلها بالحديث عن الأشباح، ويُحيل تلك الذهنية المخيفة إلى صورةٍ لطيفة ومحببة.
1ـ عن الذين يخافون من الأشباح
في الصفحات السبع الأولى، تستعرض الكاتبة أمل ناصر المزاعم المخيفة كافة عن الأشباح، وتلك الصورة النمطية التي رسختها أفلام الرسوم المتحركة والقصص الخيالية، ودُسَّت في وعي الأطفال الباطني. على سبيل المثال، ورد في القصة:
«الذين يخافون الأشباح، يظنون أنها تحبُّ الظلامَ مثل البوم والخفافيش...
هوووو! هوووو! لا تنامُ.
يظنون أنها تحبُّ الاختباء تحت السرير، أو في الدرج الكبير».
تتوالى التصوراتُ واحدة تلو الأخرى على هذا الغرار، ومن المُحال ألا يقع خيال طفل خائف في تصور واحد منها على الأقل؛ وكأنّ الكاتبة أصغت إلى صوت الطفولة في داخلها، فاحترمت مشاعر الأطفال، وعلّمتهم كيف يعترفون بمخاوفهم، ثم انتقلت معهم رويدًا رويدًا لرفع الستار عن الحقيقة في القسم الثاني من القصة.

2- حقيقة الحكاية
أبدعت الكاتبة أمل ناصر برسم صورة شبحٍ لطيفٍ يتحدث عن نفسه بلباقة، ومنحت الطفلَ جناحين يُحلّق بهما معها، ليرسم في مخيلته صورةً مغايرة تمامًا عن الأشباح. مما ورد في القصة:
«أُعرِّفكم إلى السيد شَبَحْبَحْ. انظروا كم هو لطيف، وكالنسمة خفيف! شَبَحْبَحْ سيخبركُم كم هي صعبةٌ حياة الأشباح! بصفتي شبحًا، أنا لا أُحبُّ العتمة، بل أحبُّ الشمس والهواء، والعشب الطري والبلابل. أحيانًا أحبُّ أن أُمثِّل أنِّي شجرة كي تقضم أوراقي الدِّيدان، وتدغدغ أغصاني السناجب».
حين وصفت الكاتبة شخصية "السيد شَبَحْبَحْ"؛ نسبت إليه الصفات الأخلاقية الحميدة كافة التي تغرسها التربية في سلوك الطفل، وبذلك فعّلت الكاتبة ببراعة دور الخيال الإيجابي. لم تلجأ مطلقًا إلى الأسلوب الوعظي المباشر الذي يملي على الطفل: "افعل ولا تفعل"، بل خاطبته بوصفه فيلسوفًا صغيرًا يتأمل، ويُفكر، ويكتشف. على سبيل المثال، يقول الشبح: "بصفتي شبحًا قديمًا، تعلمتُ في مدرسة الأشباح أن أكون مؤدبًا؛ فلا أدخل البيوت من غير استئذان. طَقْ طَقْ طَقْ! هل من أحدٍ هُنااا.. وووو.."
تكمن عبقرية الطرح، في هذه السطور، في طمأنتها للطفل إلى أن الأشباح لا تقتحم البيوت بغتة، ولا تتسلل خفية، ورسخت لديه قيمة أخلاقية في آنٍ؛ وهي "أدب الاستئذان"، وهذا كله بأسلوب لطيف وخفة إبداعية.
علاوة على ذلك، عملت الكاتبة على تفنيد القلق الوهمي من الأشباح على لسان "السيد شَبَحْبَحْ". إذ أوضحت أن الأشباح لا أصوات لها، هي تتحدث بلغة الإشارة فقط! وشرحت للطفل أن ما يسمعه من أصواتٍ ليلًا: «قد يكون صفير الهواء، أو صوت زيزٍ ضائع، أو صوت طفل جائع؛ لكنه حتمًا ليس صوت أشباح».
ما قامت به الكاتبة يُمثل ركيزة جوهرية، في العملية التربوية، لمعالجة خيال الطفل السلبي. إذ تُعلمه كيف يفرق بين الوهم والحقيقة، بتوضيح كنه الأشياء ومصدر الأصوات التي يخشاها. بينما تستغرق الكاتبة، في سرد تفاصيل حياة الأشباح؛ كيف تأكل، وتشعر، وتطير، تُقدم مادةً دسمةً للطفل تُحفز لديه الذائقة النقدية. كما ورد في القصة:
«ليس للأشباح بيوت، وهي لا تحب أن تسكن بيوت البشر؛ إنهم يصدرون أصواتاً كثيرة»..«أحيانًا تستقبلنا الأرانب في جُحورها، وأحيانًا السناجب في أشجارها، وأحيانًا تكون الدببة لطيفة معنا، فتسمح لنا أن ننام على فرائها».
من هذا المنطلق؛ أرى أن هذه القصة تستلزم جلسةً حواريةً عميقة مع الطفل؛ فكل فكرة أثارتها الكاتبة تسهم في بناء شخصيته ورسم تصوراته الفكرية المستقبلية عن ذاته والآخرين والبيئة المحيطة به. حتى إنها تنفذ إلى نمو البعد الروحي لديه وتضبط رغباته الحسيّة، وقد تجلى ذلك بوضوح؛ حين قال "السيد شَبَحْبَحْ": «إننا نصوم الليل كُلَّه، نحن لا نأكل السكاكر ولا نشرب العصائر؛ لأنها تسبِّب لنا انتفاخًا كبيرًا، بعد ذلك سنرتفع ونرتفع ونرتفع.. ثم نطير ونطير إلى مكان بعيد جدًّا».
3- لنكن أصدقاء
في القسم الأخير من القصة، يشعرُ الطفل بأنه وصل إلى قمة الجبل بعد رحلة صعودٍ شاقة وممتعة، تجاوز فيها عثرات مخاوفه الوهمية إلى حدٍ كبير، وصار صديقًا للسيد "شَبَحْبَحْ"؛ على الأقل في حدود هذه الحكاية. تتعامل الكاتبة بواقعية شديدة في احتواء مخاوف الطفل؛ إذ تدرك تمامًا أنها لن تستطيع إزالتها كليًا من مخيلته، لكنها نجحت، في الحد الأدنى، بفتح آفاق الطفل ليتحرر من وهم شرور الأشباح، ويستوعب في المقابل حقيقة شرور البشر حين يظلمُ بعضهم بعضًا، وهو ما نلمسه في واقعنا المعاصر المليء بالحروب والدمار. إذ جاء في القصة على لسان "السيد شَبَحْبَحْ"، وهو يروي ذكرياته المؤلمة، حين عاين آثار الحرب:
«أما هنا، فكانت المرَّة الأولى التي أُشاهدُ فيها قسوة البشر على بعضهم بعضًا في الحروب: بيوتٌ تُدمَّر، وعائلاتٌ تتركُ منازلها وتهربُ من القنابل. ثم هنا كنتُ أبكي لأنني سمعت طفلاً يعيشُ في خيمة، يقول وهو يضمُّ أمَّهُ: ماما! أنا خائف من الأشباح؛ فرحتُ إلى أمّي وبكيت: لِمَ يخاف منا هذا الطفل الخائف من حربٍ صنعها الإنسان لا الأشباح؟!».

لقد عالجت الكاتبة في هذه الحبكة الدرامية خوفَ الطفل الوهمي بوضعه في مواجهة مع واقع الشر المتمثل في سلوك بعض البشر، عبر عين "السيد شَبَحْبَحْ" الناقدة؛ بيد أنها في الوقت ذاته تركت نهايةً مفتوحةً فسحت للطفل المجال لينضم إلى جوقة البشر الطيبين الذين يُعقد عليهم الأمل في تغيير العالم نحو الأفضل، متجنبةً ترسيخ فكرة تعميم الشر على الإنسانية جمعاء. وردت الجملة الأخيرة على لسان "السيد شَبَحْبَحْ" في قوله: «كُلَّما كبرتُ مئة عام اكتشفت أن هنالك الكثير من البشر الأطيب منا، حتى نحن الأشباح».
قد يظن البعض أن الخيالات الوهمية تزول تلقائيًا، مع مرور الوقت، لكنّ الحقيقة أن "الشبح" قد ينمو معنا متخذًا صورًا عديدة؛ وإذا لم نعالج مخاوف مرحلة الطفولة المبكرة بأسلوبٍ علمي وسليم، فقد يعجز أطفالنا عن مواجهة تحديات الحياة في المستقبل، أو يحملون في أعماقهم "فوبيا" تؤرق كبرهم. فما أزال أذكر خوفي القديم من الحيوانات؛ بسبب موقفٍ عابرٍ حصل معي في طفولتي، والآن، وأنا أخطُّ كلمات هذه المقالة، أبت قطةٌ صغيرةٌ إلا أن تجلس في حضني، وتمنحني دفئًا لطيفًا يواسيني في أيام النزوح القاسية! وربما لو أنني قرأتُ هذه القصة في صغري، لوفَّرتُ على نفسي سنواتٍ من الخوف غير المسوّغ من تلك الكائنات الجميلة التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب.

لذلك؛ لا يمكننا حصر أبعاد قصة "حياة الأشباح صعبة" التربوية في إطار علاج الخوف عند الأطفال فحسب؛ أيضًا تسهم إسهامًا فعالًا في بناء شخصية طفلٍ سويّ، وتراعي بذكاءٍ البنية العقلية والنفسية والاجتماعية على حدٍ سواء. نرى، أخيرًا، أن القصة لا تقتصر بفائدتها على الأطفال الذين يتجرعون آلام الحروب والنزوح، إنما تخلق حالًا رفيعةً من الوعي عند الأطفال الذين ينعمون بالأمان أيضًا؛ إذ تُحفّز قلوبهم الصغيرة على التعاطف مع أرواحٍ تذرف الدموع في زاويةٍ ما من هذا العالم، لتلتقي أحلامهم معًا على غاية واحدة، وهو وجود وطنٍ دافئٍ يحتضن الجميع تحت سقف السماء الزرقاء الكبيرة.


2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال