في غفلة منك يأخذ طفلك هاتفك ويبدأ بالتقاط صور سيلفي عشوائية، وما إن تستعيده حتّى تجد معرض الصور ممتلئًا بلقطات لفتحات الأنف والعينين والحاجبين، بصورة مهزوزة وضبابية لا تخضع لأي قاعدٍ من قواعد التصوير. في العادة ينتهي بك الأمر بحذف معظم هذه الصور أو إبقاء بعضها للذكرى. أما نشرها وإرسالها للآخرين فلم يكن واردًا لأنّها تبدو ببساطة بلا قيمة، بل وقد تدفع من يراها للسؤال عمّا قد يدفع أحدًا إلى مشاركتها مع أي شخص.
لكن ذلك تغيّر منذ 10 يوليو/ تموز الماضي، حين تحوّلت هذه اللقطات التي تبدو عشوائية إلى أحد أبرز القوالب البصرية الرائجة على منصات التواصل الاجتماعي، والـ"ترند" الذي يستخدم في ترويج المنتجات والخدمات، في دول الخليج وبلاد الشام.
بدأت القصة مع نشر حساب لمشروع عباءات خليجية في الكويت يحمل اسم "سحابة"، في 10 يوليو الماضي، صورةً تبدو للوهلة الأولى وكأنها أرفقت بالخطأ؛ يظهر فيها طفل يلتقط صورة سيلفي عشوائية لا يظهر فيها سوى جزء يسير من وجهه، بينما استحوذ المشهد خلفه على معظم الإطار. بدت الصورة أقرب إلى لقطة عائلية التقطها طفل أثناء عبثه بهاتف والدته منها إلى مادة تسويقية منشورة على حساب تجاري متخصص بالأزياء. لكن ما بدا خطأ بصريًا تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى أحد أكثر القوالب البصرية تداولًا في الخليج وبلاد الشام، وسارعت علامات تجارية ومؤسسات إعلامية وهيئات رسمية لإعادة إنتاج الفكرة، مستخدمةً أطفالًا حقيقيين أحيانًا، وصورًا مولدةً بواسطة الذكاء الاصطناعي في أحيان أخرى، حتى غدت هذه اللقطات العفوية لغة بصرية قائمة بذاتها.
لغة التجارة والسياحة
تمثّل الصيغة البصرية التي أفرزتها تلك اللقطة العفوية العنصر الأكثر انتشارًا في هذا الـ"ترند"، إذ يحتل الطفل جزءًا صغيرًا من الإطار، بينما يتموضع الحدث الحقيقي أو المنتج أو الشعار في الخلفية. ويؤدي الطفل وظيفة المدخل البصري الذي يستقطب العين في اللحظة الأولى، قبل أن يوجّهها تلقائيًا نحو الخلفية، حيث تستقر الرسالة الإعلانية الفعلية. وتكمن المفارقة في تحوّل البراءة إلى وسيلة لتسويق المنتج، بحيث يغدو الطفل حاملًا لانتباه المستخدمين ووسيطًا بصريًا يقودهم إلى العلامة التجارية، لتتحول العفوية إلى لغة اتصال تتبنّاها المؤسسات في بناء صورتها وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي.
تكشف هذه الظاهرة عن تحول في منطق الاتصال التسويقي، إذ أصبحت العلامات التجارية تتنافس على الصورة الأكثر قدرة على إقناع الجمهور بعفويتها، وليس على إنتاج الصورة الأكثر احترافية؛ بعدما أصبحت الثقة تُبنى على ما يبدو طبيعيًا وتلقائيًا أكثر من اعتمادها على الحملات الإعلانية التقليدية واستقطاب المشاهير أو غيرهم.
لم يكن انتشار صورة الطفل نتيجة جودتها التقنية، وإنما بسبب فوضويتها الظاهرية التي أوحت بأنها لحظة حقيقية لم تخضع للإخراج أو الترتيب، قبل أن تتحول هذه العفوية نفسها إلى مورد اقتصادي تستثمره المؤسسات بإعادة إنتاج القالب البصري نفسه، محافظة على الطفل وزاوية التصوير واقتطاع الوجه والإحساس بالصدفة، مع إعادة ترتيب الخلفية بعناية لتحتضن الشعار أو المنتج أو الخدمة، لتغدو العفوية منتجًا يُصنع ويدار ضمن استراتيجيات التسويق، وتتحول البراءة إلى رأسمال رمزي يستثمر في جذب الانتباه، بينما يصبح التحكم في إدراك الجمهور للصورة أكثر أهمية من التحكم في الصورة نفسها.
سيلفي الأطفال في نماذج متنوّعة
يمكن ملاحظة ملامح هذا التحوّل بوضوح في الأمثلة التي انتشرت لاحقًا؛ إذ استخدمت "قطر ريل" (شركة سكك الحديد القطرية) القالب نفسه داخل إحدى عربات المترو، حيث يحتل الطفل مقدمة الصورة، بينما تبرز عربة المترو وتصميمها الداخلي الأنيق والنظيف باعتبارها الرسالة الحقيقية التي تدل على الثقة والترتيب والأمان على كل المسافرين من كل الأعمار في أي من عربات المترو. ومن دبي، يطلّ وجه الطفل وخلفه برج خليفة ضمن حملة تسويقية تقودها Visit Dubai لتنهال التعليقات بالرغبة بالسفر مع العائلة إلى دبي والاستمتاع بصيفها؛ مع تعليقات حول براءة المشهد وعفويته.
يعيد حساب "نولج" المتخصص بنقل الأخبار حول العالم أيضًا إنتاج الفكرة من الدوحة مع تصميم متقن بحيث يبدو الطفل وكأنه التقط صورة شخصية عفوية، في حين تستحوذ هوية المنصة وشعارها على مركز الثقل البصري في الخلفية. هنا تحوّل الطفل إلى وسيط ينقل انتباه الجمهور نحو الرسالة، تاركًا موقع الرسالة ذاتها للخلفية.
تستثمر شركات السيارات في الخليج العربي، مثل BMW-Qatar وJetour-Qatar، الترند بوصفه رأسمالًا رمزيًا خالصًا، إذ يمنح وجه الطفل الصورةَ أصلًا عاطفيًا تعجز الإضاءة والمؤثرات المدروسة واللمعان المصطنع للسيارة عن تحقيقه بمفردهما، فيغطي حضوره على الحساب التجاري الكامن خلف كل تفصيلة في الكادر، من زاوية التصوير إلى اختيار الموسيقى الهادئة، ليتحول الوسم الصريح "لحقوووا العروض" في حالة BMW على لسان طفل يرغب من والديه اقتناء هذه العلامة التجارية فقط إلى اللحظة الوحيدة التي تُسقط القناع وتكشف الوظيفة التجارية الصرفة للمشهد، بعد أن نجحت بقية العناصر في التمويه عليها بمهارة.
يتنازل معهد الجزيرة للإعلام عن هويته "الرسمية" و"بريستيج" المؤسسة الإعلامية، ويدير اللعبة نفسها بأدوات مختلفة، إذ يستعير المعهد هوية اجتماعية أقرب إلى الطفل المتحمس المستكشف فيقلّص بذلك المسافة النفسية بينه وبين جمهوره المستهدف من الفئة العمرية ذاتها التي يخاطبها، بحيث يتحول الشعار الذهبي الثابت خلف الطفل من مجرد علامة تجارية إلى وعد ضمني بالانتماء والتعلّم، ويتضح هذا التوظيف أكثر حين يقرأ التعليق المرافق "خلونا نتعلم، نجرّب ونصنع أجمل الذكريات معًا" باعتباره دعوة موجهة عبر لسان الطفل نفسه، لا عبر خطاب مؤسسي تقليدي يخاطب الجمهور من موقع عُلوي.
الحمولة السياسية
أما راديو بسمة في الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، فقد منح هذا التريند بُعدًا جديدًا، إذ يفقد الطفل دوره بوصفه أداةً لجذب الانتباه نحو منتج أو مؤسسة، ويتحوّل إلى شاهد عيان يحمل الكاميرا باتجاه مشهد يومي اعتاد الفلسطينيون رؤيته، فتغدو طوابير السيارات المتوقفة أمام الحواجز العسكرية الإسرائيلية خلفية اعتيادية لصورة سيلفي، في مفارقة تكشف التناقض بين طفولة يفترض أن تنشغل باللعب أو المدرسة أو التقاط صور عفوية، وواقع يفرضه الاحتلال حتى يصبح الحاجز جزءًا من المشهد اليومي، بعدما كان يفترض أن يبقى حدثًا استثنائيًا تتناقله نشرات الأخبار. ويعزز اختيار أغنية ذات هوية وطنية لفنانين فلسطينيين هذه القراءة، إذ يوجّه المتلقي إلى تأويل سياسي للصورة منذ اللحظة الأولى، قبل أن تستقر عينه على الحاجز في عمق المشهد.
يتجاوز المشهد الحمولة التجارية والتسويقية ليصل إلى فضاءات إنسانية وسياسية أكثر حساسية، مع احتفاظه بجميع عناصره البصرية الأصلية؛ فالطفل يحتل الجزء نفسه من الإطار، والخلفية تحمل الرسالة الحقيقية، بينما يحافظ التعليق المرافق على عشوائيته الظاهرية في عبارة "سالكمغلقسالكمغلقلقلقلق"، في استعادة واعية للغة التي رافقت النسخة الأولى من الـ"ترند"، بما يحفظ القالب البصري والسردي معًا، رغم اختلاف المضمون بصورة كاملة.
يخرج الـ"ترند" هنا من المجال التسويقي إلى المجال الرمزي، إذ لم يعد الطفل يقود نظر المتلقي إلى شعار شركة أو منتج أو مقر مؤسسة، وإنما إلى حاجز عسكري، أو جدار فصل عنصري أو جنود، لتصبح الخلفية هي النص السياسي الحقيقي، بينما يؤدي الطفل وظيفة الوسيط البصري الذي ينقل المشهد إلى الجمهور من دون حاجة إلى خطاب سياسي مباشر أو شعارات أو بيانات. ومن خلال هذه الزاوية، يدعو القالب البصري المتلقي إلى رؤية الواقع بعيني طفل، وهو ما يمنح الصورة قوةً وجدانيةً يصعب أن تحقّقها الصور الخبرية التقليدية التي تعتمد على التوثيق المباشر.
إلى ماذا نستند؟
تفسر نظرية اقتصاد الانتباه هذا السلوك بصورة دقيقة، إذ أصبح انتباه المستخدم نفسه هو المورد الأكثر ندرة في المنصات الرقمية، متقدمًا على المعلومات والصور معًا؛ إذ تبحث الشركات، في بيئة تغمرها آلاف أنماط المحتوى يوميًا، عن أي عنصر قادر على إيقاف حركة التمرير لثانية واحدة، وهي الثانية التي تحدد غالبًا نجاح المنشور أو فشله. وأثبت هذا القالب البصري قدرته على تحقيق ذلك، لأن الدماغ يتعامل مع صورة الطفل بوصفها مشهدًا اجتماعيًا عائليًا وخاصًا يستحق النظر بفضول قبل أن يدرك أنه أمام إعلان أو رسالة مؤسسية، وتحقق العلامة التجارية بذلك ما تسعى إليه، مكتفيةً بهذا الأسلوب الملتف بعيدًا عن مباشرة البيع.
من منظور عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان الذي تناول كيفية تقديم الأفراد لأنفسهم في الحياة اليومية، يمكن أن نلاحظ بداية أداء العلامات التجارية دورًا اجتماعيًا جديدًا؛ إذ اتجهت إلى الظهور بمظهر الأسرة أو الطفل أو الحياة اليومية بدلًا من عرض نفسها بوصفها مؤسسة وجهات إدارية تمارس نشاطًا تقليديًا، مستعيرةً هويةً اجتماعيةً أكثر ألفةً وبراءةً لتقليص المسافة النفسية بينها وبين الجمهور. وتحمل الصورة عند رولان بارت طبقات من الدلالات الثقافية تتجاوز معناها المباشر؛ فيستدعي الطفل هنا منظومة كاملة من البراءة والصدق والعفوية والثقة، وهي الصفات التي تنتقل بصورة تلقائية إلى العلامة التجارية الموجودة في الخلفية.
من الناحية الفعلية اتسع استثمار المؤسسات ليشمل القيم الاجتماعية التي تمنحها الشرعية والثقة، متجاوزًا الاستثمار في المنتج وحده؛ وتحوّلت البراءة، التي مثّلت قيمة إنسانية مجردة، في هذا السياق إلى أصل رمزي قابل للاستثمار الاقتصادي، وأدى الطفل وظيفة تسويقية تقارب كثيرًا وظيفة المؤثرين الرقميين، مع فارق مهم يتمثل في منح الطفل العلامة التجارية قدرًا أكبر من المصداقية والعفوية، إذ يبدو بمعزل تام عن أي حملة دعائية مدفوعة أو ممنهجة.
يتحوّل المحتوى العفوي، في ظل هذه السرعة التي تنتقل بها الثقافة الرقمية من المستخدمين إلى المؤسسات، خلال فترة وجيزة إلى مورد تتنافس العلامات التجارية على استثماره، فتغدو الـ"ميمز" والصور الرائجة قوالب جاهزة يعاد إنتاجها داخل الخطاب التسويقي، قبل أن تتجاوز المجال التجاري إلى الاستخدامات الإعلامية والإنسانية والسياسية.
يمكن القول إن الشيفرة الثقافية الكامنة في الـ"ترند" واستخدامه، وليست الصورة الأصلية، هي ما انتشر فعليًا؛ إذ أعادت كل مؤسسة إنتاج القالب بما يتوافق مع هويتها الخاصة، محافظةً على العناصر الأساسية التي تجعل الجمهور يتعرف إلى المرجع الأصلي فورًا. وتحوّل الـ"ترند" بذلك إلى لغة بصرية مشتركة تتجاوز كونها مجرد صورة، يستطيع المستخدم فهمها بمجرد النظر إليها، مهما اختلف المكان أو الطفل أو الجهة الناشرة.
تقودنا هذه الرحلة إلى إعادة توظيف القوالب البصرية، حيث يكتسب القالب معاني جديدة كلما انتقل إلى سياق مختلف؛ فيحمل الشعار أو المنتَج الرسالة في النسخة التجارية، ويحتلّ المبنى أو المرفق العام مركز الدلالة في النسخة المؤسسية، بينما يصبح الحاجز أو الجندي أو الجدار بطل المشهد في النسخة السياسية، في حين يثبت الطفل في موقعه بوصفه المدخل البصري الذي يقود عين المتلقي نحو المعنى الكامن في الخلفية، كأداة جذب تستقطب الانتباه وتوجّهه إلى الرسالة، فتتجاوز العين الطفل نفسه لتقرأ ما يقع خلفه، سواء كان شعار شركة أو منتجًا أو بناءً أو محطة مترو أو حاجزًا عسكريًا.
العربي الجديد
تترك أثرا طويل الأمد في صحة الأطفال النفسية.
هذه المنصات تقدم محاكاة كاملة من التصفح إلى الشحن والطلبات الوهمية
الدعم المستمر – حتى بصورة بسيطة – يُحدث فرقًا كبيرًا.

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال