من يملك الخيال البشري حين تحفظه الخوارزميات وتعيد إنتاجه بلا إذن؟ دعوى «بنغوين راندوم هاوس» ضد «أوبن إيه آي» تنقل الصراع إلى القضاء الألماني، وتفتح مواجهة تتجاوز قصة أطفال واحدة: هل تحمي القوانين حقوق المبدعين أم يتحول تراثهم إلى منجم مجاني يراكم أرباح الإقطاع الرقمي الجديد بلا حدود أو مساءلة؟
اخترقت ثورة تقنية الذكاء الاصطناعي العالم من أقصاه إلى أقصاه، محدثة تغييرًا جذريًا في شتّى المجالات المؤسساتية والفردية. لكن في مقابل الطفرة التكنولوجية المتسارعة، طرأت ثغرات قانونية عدّة استغلها عمالقة «وادي السيليكون» لاختصار الطريق المعرفي على حساب مجهود فكري عالمي متراكم.
في الوضع الراهن، تُستباح عوالم الخيال الإنساني من قِبل آلات صماء تقتات على تراث الإبداع البشري وتحيله سلعًا بلا روح لتراكم الأرباح في خزائن النخبة التكنولوجية العابرة للقارات.
في مواجهة هذا المسار والمصير، انتفضت دار النشر العالمية «بنغوين راندوم هاوس» في وجه الشركة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، «أوبن إيه آي» الأميركية، وجرّتها إلى ساحة القضاء أمام محكمة ميونخ الإقليمية في ألمانيا. وتنطلق الدعوى القضائية الفكرية من سرقة مباشرة لرسوم ونصوص قصص الأطفال الشهيرة «التنين الصغير كوكوسنوس» (أو كوكونت) للكاتب إنجو سيجنر. لكنّ المسألة تجاوزت حدود المواجهة الفكرية بين العملاقين، إذ يعوّل عليها المجتمع الثقافي لرسم ديناميكية قانونية جديدة في العلاقة مع شركات الذكاء الاصطناعي، لوقف تقمّص الروبوت دور الأديب والرسام والناشر على حساب الإنتاج الفكري الأصيل.
نهب ممنهج
بموجب هذه الدعوى الفاصلة، يُطرح سجال حقوقي نضالي حول مفهوم «الاستذكار الخوارزمي»، وهو التوصيف الفني لعملية تخزين واحتكار المعرفة البشرية لإعادة بثّها واجترارها بصيغ شبه متطابقة عند الطلب. يُظهر سلوك النموذج الخوارزمي كيف يُنزع الطابع الإنساني عن الفكر الحرّ ليوضع في قوالب ميكانيكية تدرّ المليارات على كارتيلات «وادي السيليكون». وتكتسب هذه المعركة في القارة العجوز صبغةً مصيرية، إذ تفتقر البيئة القانونية الأوروبية إلى عقيدة «الاستخدام العادل» المرنة المطبقة أميركيًا، مما يسدّ الثغرات القانونية أمام تغول الشركات ويفرض ترخيصًا صارمًا يحمي حق المبدعين الاقتصادي.
لا يقف هذا الحراك وحيدًا كصرخة في وادٍ، فقد أُدينت «أوبن إيه آي» سابقًا بحكم تاريخي في المحكمة ذاتها لصالح جمعية الموسيقى الألمانية «غيما» على إثر استباحتها الخوارزمية للكلمات والألحان. في هذا الإطار، أكّد المسار القضائي بوضوح أنّ حشو الذاكرة الرقمية بإبداعات الآخرين يشكل استنساخًا غير مشروع يخرق الحقوق الاقتصادية الحصرية للكتاب والملحنين.
إقطاع رقمي
يُسلّط النضال الدائر في الساحة القضائية الألمانية الضوء على ما يتجاوز المواجهة بين شركتين حول حقوق الملكية الفكرية لقصّة، إذ يعيد طرح مسألة العلاقة السامّة التي يبتلع فيها رأس المال الرقمي جهود جيش من المثقفين والكتاب والرسّامين وغيرهم.
لذلك يُمثل النزال القانوني الحالي محطة متقدمة من «جبهة مقاومة عالمية» يخوضها العاملون في الحقل الثقافي ضد الاحتكار المعرفي. من قاعات المحاكم الأميركية حيث تقارع «نقابة الكتاب» سطوة «أوبن إيه آي» لمنع خصخصة التراث الثقافي، إلى الدعوى التي رفعتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية بشأن استخدام ملايين المقالات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكشفت أخيرًا عن استخلاص نحو 20 مليون سجل دردشة، تتضح معالم النيو-إقطاعية الرقمية.
قد لا يسعى رأس المال إلى تجريد المبدع من أدواته بصورة مقصودة، غير أنّ شركات التكنولوجيا الكبرى لا تكترث للأضرار الجانبية الناجمة عن الاستحواذ على فائض القيمة المتولد من عمل المثقفين، ما دام الإرث البشري المشترك يتحول إلى أصول خاصة في أيدي كبار المُلّاك الرقميين.
في قلب هذه المواجهة، تبرز قضية «كوكونت» بوصفها خطوة نضالية جادة لكسر مخالب الكارتيلات التكنولوجية ومنعها من التهام الحقوق الفكرية في أوروبا. ومن رحم هذا الصراع التقني، تُخاض معركة وجودية دفاعًا عن كرامة العقل الإنساني في مواجهة منظومة الاستلاب الرأسمالي المعولم.
علي سرور/جريدة الأخبار
سيكون المحتوى متاحًا بلغات مدبلجة متعددة
رسّخ استوديو "سويوزمولتفيلم" مكانة هذا الدبدوب الصغير في الوجدان الثقافي
تشمل الخطط المستقبلية بعث شخصيات أخرى بطرائق وقصص جديدة

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال