بعد نجاحه في التحول إلى واحد من أنجح مسلسلات الرسوم المتحركة للأطفال عالميًا، يواجه "ماشا والدب" (Masha and the Bear) تحديات جديدة من نوعها، تندرج في إطار معارك ثقافية تسببت بها الحرب الروسية على أوكرانيا. وبعد حظر القنوات التلفزيونية الروسية والمواقع الرسمية، وحظر كثير من المنتجات الأدبية الروسية والسوفييتية، ومنع موسيقيين وفنانين روس من تنظيم حفلات في أوروبا، وصل الدور إلى الرسوم المتحركة للأطفال.
في الأسبوع الماضي، طالب خمسون نائبًا في البرلمان البريطاني وزيرة الثقافة ليزا ناندي بحظر نشر مسلسل "ماشا والدب" على منصات البث الرقمي. واتفق النواب من حزب العمال، وحزب المحافظين، والديمقراطيين الليبراليين، وحزب الخضر، والحزب الوطني الاسكتلندي، وحزب ويلز، على أن المسلسل يمثّل دعاية "واضحة".
استشهدوا في رسالة وجّهوها إلى الوزيرة بحلقة ترتدي فيها ماشا، أثناء حراستها لحديقة الدب، قبعة ذات حافة زرقاء ونجمة حمراء تشبه تلك التي كان يرتديها ضباط المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية، التي تحولت لاحقا إلى جهاز كيه جي بي، ثم ترتدي خوذة طاقم دبابة.
كانت المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية مسؤولة عن الترحيل الجماعي والإعدام، واضطهاد عشرات الملايين من المواطنين السوفييت. ويرى النواب أن المسلسل "يساهم بفعالية في تطبيع الرموز العسكرية السوفييتية لدى جمهور عالمي من الأطفال".
أشار معدو الرسالة إلى أن "ماشا والدب" واجه انتقادات السلطات في دول أوروبية أخرى، إذ وصفه وزير الخارجية الإستوني، مارغوس تساكنا، بأنه جزء من القوة الناعمة للكرملين، فيعمل على "ترسيخ رسائل مؤيدة للكرملين وذات طابع عسكري ضمن المحتوى الترفيهي الموجه إلى الأطفال".
قال النواب في رسالتهم إن الصور بالقبعة العسكرية استُخدمت أيضًا على حساب "إكس" باللغة الإنكليزية التابع لاستوديو إنتاج المسلسل، أنيماكورد. جاء في المنشور: "فتاة عسكرية حقيقية تحمل شبكة فراشات! يا سلام، أنا في الجيش الآن!".
طالب النواب "باتخاذ إجراءات حكومية عاجلة في أعقاب إعلان نتفليكس أنها حصلت على موسمين جديدين من مسلسل الرسوم المتحركة "ماشا والدب"، ومددت اتفاقية الترخيص الخاصة بها للمواسم الحالية والمسلسلات الفرعية في أكثر من 100 دولة".
خلص النواب إلى أنه "من حق الآباء البريطانيين أن يتوقعوا خضوع المحتوى الذي يصل إلى أطفالهم عبر المنصات المرخصة لتدقيق مناسب، لا سيما عندما يثير حلفاؤنا مخاوف ذات مصداقية بشأن الدعاية التي تروج لها الدولة". في المملكة المتحدة، يتوفر المسلسل على منصتي "نتفليكس" و"آي تي في إكس"، وهي خدمة بث تملكها شبكة البث البريطانية "آي تي في".
رفضت شركة "أنيماكورد"، الاستوديو المنتج للمسلسل، الاتهامات المتعلقة بنشر الدعاية الروسية. ونفت المتحدثة باسم الشركة، ميلاني بونفيكينو، الاتهامات التي ربطت "ماشا والدب" بمحتوى دعاية عسكرية روسية.
أكدت بونفيكينو، الجمعة الماضية، أنه على مدار عقدين من الزمان ، لم يبث مسلسل "ماشا والدب" سوى مواضيع عالمية حول الصداقة والفضيلة والخيال لإلهام العائلات في أكثر من 100 دولة. وشددت على أن هذا المسلسل لا يحتوي على رسائل سياسية، وأي ادعاءات تقول العكس لا تستند إطلاقًا إلى محتوى العمل. وأكدت أن الشركة لا تتلقى أي تمويل من الحكومة الروسية، وأنها انتقلت نهائيًا إلى قبرص من العام الماضي.
يعرض "ماشا والدب" منذ عام 2009، وقد أُنتج منه سبعة مواسم حتى الآن، صدر أحدثها في عام 2025. وإلى جانب منصة نتفليكس"، عرض العمل على قنوات تلفزيونية وخدمات بث في كل من الولايات المتحدة وكندا وألمانيا واليونان وفرنسا ودول أخرى. وحسب موقع الشركة، فإنها وقعت اتفاقا مع "نتفليكس" لإنتاج الجزءين الثامن والتاسع وعرضهما.
تدور أيضًا نقاشات في أوكرانيا حول تقييد بث "ماشا والدب". ففي خريف عام 2025، أعلن ياروسلاف يورتشيشين، رئيس لجنة حرية التعبير في الرادا العليا البرلمان الأوكراني، أن الشرطة الوطنية أكدت ارتباط المسلسل بروسيا وأيدت فكرة فرض عقوبات بشأنه.
لعلّ "ماشا والدب"، المستوحى من قصة شعبية روسية تقليدية، من أحد أكثر البرامج شعبية على يوتيوب. وحظيت إحدى حلقاته، بعنوان "وصفة لكارثة"، والتي تبلغ مدتها سبع دقائق، بأكثر من 4.6 مليارات مشاهدة على الموقع. وتجاوز عدد مشاهدي المسلسل على القنوات الرسمية للشركة على "يوتيوب" 100 مليار مشاهدة منذ 2021.
في وقت سابق من الشهر الماضي، قال المكتب الصحافي للشركة في بيان على موقعها إن الموسمين الثامن والتاسع من مسلسل الرسوم المتحركة العالمية الشهيرة "ماشا والدب" من إنتاج شركة أنيماكورد سيعرضان على منصة نتفليكس، مما يعزز حضوره العالمي في عالم البث الرقمي. إلى جانب المواسم الجديدة، حصلت نتفليكس أيضًا على حقوق عرض المواسم من الأول إلى السابع، إضافة إلى المسلسلين الفرعيين "حكايات ماشا" و"قصص ماشا المخيفة".
سيكون المحتوى متاحًا بلغات مدبلجة متعددة، بما في ذلك الإنكليزية والإسبانية والبرتغالية والفرنسية والألمانية والإيطالية والهولندية والدنماركية والنرويجية والسويدية والبولندية والتركية والكورية والهندية والعربية، ما يؤكد الانتشار العالمي الاستثنائي لهذا المسلسل والطلب المستمر على محتوى ما قبل المدرسة المتميز في جميع أنحاء العالم.
يحتل مسلسل "ماشا والدب" المركز الأول عالميًا في أفلام الرسوم المتحركة المطلوبة للأطفال دون سن المدرسة. يعود ذلك، حسب خبراء، إلى المحتوى الذي لا يتضمن حوارات طويلة معقدة، والحركة المستمرة للأبطال مع الموسيقا المرافقة المناسبة.
استقى منتجو العمل عنوانه وفكرته الأساسية من قصة شعبية روسية حول ماشا التي تذهب مع أصدقائها في الغابة، وهناك تنفصل عنهم وتضل طريقها لتجد نفسها في بيت دب، قبل أن تخدعه وتعود إلى أهلها في القرية. وفي المسلسل، تظهر ماشا طفلةً تجمع بين الرقة واللطف والانفتاح على العالم، والفضول والعفوية. ومع حبّها للحلوى تلهو بأكواب الدب وجوائزه، وتلعب بالكرة وتشاهد الرسوم المتحركة وتطرح أسئلة مختلفة، وتروي حكايات خيالية وقصص رعب، وتغني. وترجمت جميع مواسم العمل إلى 42 لغة عالمية من ضمنها العربية التي تعرضها "سبيستون" بترخيص من الشركة الروسية.
قبل بداية الحرب الأخيرة على أوكرانيا، ومع زيادة انتشار "ماشا والدب" ضمن أدوات القوة الناعمة الروسية، طالب مسؤولون في عدد من الدول، ومن ضمنها أوكرانيا ولاتفيا، بوقف عرض المسلسل، واتهموا روسيا باستخدامه للترويج لسياساتها في العالم، وزعم بعضهم أن الدب يرمز إلى روسيا وإلى الرئيس فلاديمير بوتين.
يبدو أنه رغم كل الانتقادات المسيسة وغير المسيسة، فإن شعبية "ماشا والدب" في ازدياد مع ارتفاع عدد متابعيه حول العالم من الأطفال وأسرهم، بعدما كسر الصورة النمطية المملة لكثير من أفلام الرسوم المتحركة المنتجة في الحقبة السوفييتية، وبات ظاهرة. ويبقى السؤال حول قدرة "ماشا ودبها" على الصمود في وجه حرب ثقافية تدور رحاها توازيًا مع معارك دموية متواصلة منذ نحو أربع سنوات ونصف السنة؟
رسّخ استوديو "سويوزمولتفيلم" مكانة هذا الدبدوب الصغير في الوجدان الثقافي
تشمل الخطط المستقبلية بعث شخصيات أخرى بطرائق وقصص جديدة
رسوم متحركة مستوحاة من الحكايات الشعبية والملاحم

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال