بريطانيا تتحرّك لكسر قبضة منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

بريطانيا تتحرّك لكسر قبضة منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

القضية هي منع الطفل من دخول المنصة وإجباره على تغيير بنيته

تتّجه الحكومة البريطانية إلى تنظيم أكثر صرامة لعلاقة الأطفال مع منصات التواصل الاجتماعي، وسط ضغط متزايد لمحاسبة شركات التكنولوجيا على الخوارزميات والتصاميم التي تُبقي الصغار أمام الشاشات لساعات.

لم تعد بريطانيا تسأل فقط كم ساعة يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل من يصمّم هذه الشاشة، ولمصلحة من، وبأي ثمن نفسي واجتماعي. فالنقاش الدائر في لندن حول استخدام من هم دون 16 عامًا منصات التواصل الاجتماعي تجاوز حدود النصائح التقليدية للأهل بتقليل وقت الشاشة ودخل منطقة أكثر حساسية: هل تكفي رقابة الأسرة أم أن المنصات نفسها صارت مصمّمة بطريقة تجعل الطفولة عالقة داخل دورة لا تنتهي من التصفّح والتنبيهات والتشغيل التلقائي والمحتوى الذي تدفعه الخوارزميات؟

لم يُحسم بعد الشكل النهائي للقيود التي تدرس الحكومة البريطانية فرضها. وتشير أحدث التصريحات الحكومية إلى أن الخيارات المطروحة لا تقتصر على حظر عمري كامل، بل تشمل أيضًا قيودًا على خصائص داخل التطبيقات، وعلى طريقة تصميم الخدمات الرقمية التي تدفع المستخدمين الصغار إلى البقاء أطول داخل المنصة.

تأتي هذه التطورات ضمن استشارة حكومية وطنية بعنوان "النشأة في العالم الرقمي"، أطلقتها الحكومة البريطانية في 2 مارس/آذار الماضي وتستمر حتى 26 مايو/ أيار الحالي. ولا تبحث الاستشارة في منصات التواصل وحدها، بل تمتد إلى خدمات أخرى يستخدمها الأطفال، منها الألعاب الإلكترونية وروبوتات الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن القيود المحتملة على الخصائص المصممة لجذب المستخدمين وإبقائهم داخل المنصات.

تضع هذه الاستشارة بريطانيا أمام سؤال أوسع من مجرد تحديد عمر قانوني لاستخدام السوشيال ميديا. فالحكومة، وفق ما نشرته "سكاي نيوز" في 28 إبريل/نيسان الماضي، تتحدث عن قيود "عمرية أو وظيفية" لمن هم دون 16 عامًا، أي إن النقاش لم يعد محصورًا في منع الطفل من الدخول إلى المنصة، بل في منع المنصة من استخدام أدوات تقنية ونفسية قد تجعل الطفل أكثر عرضة للمحتوى الضار أو الاستخدام القهري.

قالت مديرة السياسات والتغيير الاجتماعي في الجمعية الوطنية لمنع القسوة ضد الأطفال (إن إس بي سي سي)، آنا إدموندسون، إنّه "من المشجع سماع الحكومة تؤكد أن التحرّك لحماية الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي لن يتأخر وسيحدث هذا العام".

أضافت إدموندسون :"لقد فشلت شركات التكنولوجيا في الحفاظ على سلامة أطفالنا، ويجب الآن إجبارها على معالجة المشكلات الخطيرة الموجودة في خدماتها". ورأت أن على القادة السياسيين التحرّك بسرعة بعد انتهاء الاستشارة العامة، "حتّى تحصل العائلات أخيرًا على خطّة واضحة وإجراءات حاسمة لحماية الأطفال على الإنترنت".

أكّدت المسؤولة في "إن إس بي سي سي" أن هذه الخطة يجب أن تشمل إلزام شركات التكنولوجيا ببناء السلامة "داخل كل جهاز ومنصة وأداة ذكاء اصطناعي"، حتى لا يرى الأطفال محتوى ضارًا أو غير قانوني وحتى لا يستخدموا إلّا خدمات مناسبة لأعمارهم. ونبّهت بأن على الشركات أيضًا حظر ما وصفته بـ"حيل التصميم الإدمانية" التي تُبقي المستخدمين الصغار في الألعاب والتمرير والمشاهدة لساعات طويلة. وختمت بالقول: "من دون ذلك، سيكون حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 عامًا أفضل من الإبقاء على الوضع الراهن".

يعطي هذا التعليق جوهر النقاش البريطاني الحالي: القضية ليست فقط في منع الطفل من دخول المنصة، بل في إجبار المنصة على تغيير بنيتها. فالتمرير الذي لا ينتهي، ومقاطع الفيديو التي تشتغل تلقائيًا، والتنبيهات المصممة للعودة المستمرة، والخوارزميات التي تعرف نقاط ضعف المستخدمين الصغار، لم تعد تُرى بأنها خصائص تقنية محايدة، بل بوصفها جزءًا من نموذج تجاري يقوم على شدّ الانتباه لأطول فترة ممكنة.

تزداد أهمية هذا التحول لأن بريطانيا شهدت، في إبريل/ نيسان الحالي، شدًّا وجذبًا داخل البرلمان حول مقترحات لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا. وكان مجلس اللوردات قد صوّت في 21 يناير/ كانون الثاني 2026 لمصلحة تعديل يضيف بندًا إلى مشروع قانون رفاه الأطفال والمدارس، من شأنه حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، لكن مجلس العموم رفض هذا المسار في 9 مارس الماضي.

تكرّر الخلاف بين المجلسين، مع تصويت "اللوردات" مجددًا لصالح مقترحات الحظر في 20 إبريل الماضي، وبعد يومين رفضه مجلس العموم من جديد، وسط تفضيل حكومي لانتظار نتائج الاستشارة العامة.

لكن في ظل تصاعد الضغط السياسي والشعبي، أعلن موقع الحكومة البريطانية في 15 إبريل الماضي أن رئيس الوزراء كير ستارمر استدعى كبار مسؤولي شركات التواصل الاجتماعي إلى داونينغ ستريت، للضغط من أجل إحراز تقدم في حماية الأطفال على الإنترنت. وفي اليوم التالي، ذكرت صحيفة ذا غارديان أن ستارمر قال للشركات إن الأمور "لا يمكن أن تستمر على هذا النحو".

لا يقف القلق عند منصات التواصل وحدها. فقد أشارت صحيفة إندبندنت إلى أن النقاش الحكومي يمتد أيضًا إلى استخدام الأطفال روبوتات الذكاء الاصطناعي، في إطار الاستشارة نفسها، وهو ما يكشف أن لندن تنظر إلى البيئة الرقمية بوصفها شبكة متداخلة من المنصات الاجتماعية والألعاب والذكاء الاصطناعي، لا كعالم منفصل يمكن ضبطه بقرار واحد.

تتلاقى هذه المقاربة مع اتجاه عالمي أوسع، فمنذ إعلان أستراليا عن حظر منصات التواصل الاجتماعي على القاصرين تحت سن 16 عامًا، أعلنت حكومات دول مختلفة نيّتها اتخاذ إجراءات مماثلة، ومنها فرنسا وإسبانيا واليونان والنرويج.

لكن النموذج البريطاني لم يستقر بعد بين الحظر الكامل والتنظيم الدقيق للخصائص الضارة، فالقيود العمرية قد تبدو حلًا واضحًا ومباشرًا للأهالي، لكنها تفتح بدورها أسئلة عن التنفيذ، ووسائل التحقق من العمر، وحماية البيانات، واحتمال دفع الأطفال إلى منصات بديلة أقل تنظيمًا. أما تقييد وظائف المنصات، فيبدو أكثر تعقيدًا من الناحية التقنية، لكنه يستهدف جذر المشكلة: تصميم البيئة الرقمية لا عمر المستخدم فقط.

لذلك تقترب بريطانيا من لحظة فاصلة في إعادة تعريف مسؤولية حماية الأطفال رقميًا. لم يعد النقاش يدور حول الهواتف بوصفها أدوات تسرق وقت الصغار فحسب، بل حول منظومة كاملة صمّمتها شركات التكنولوجيا لجذب الطفل واستبقائه وتحويل انتباهه إلى سلعة. وبين الحظر المحتمل والقيود الوظيفية، تتّضح رسالة جديدة: حماية الطفولة لم تعد تبدأ من يد الأهل وحدهم، بل من مساءلة المنصات عن العالم الذي بنته للصغار.

العربي الجديد

مواضيع مرتبطة

"ميتا" تنوي استخدام الذكاء الاصطناعي لحذف حسابات الأطفال عن منصاتها

تدرس المفوضية الأوروبية إمكانية فرض حدّ أدنى موحّد للسن

كيف نتخلص من أضرار الأجهزة الإلكترونية؟

مصيبتنا هي أننا لا نتمكن من التخلي عن استخدام هذه الأجهزة

دراسة يابانية: 7% من المراهقين يدمنون وسائل التواصل الاجتماعي

الشباب الياباني في الفئة العمرية من 10 إلى 19 عاما يعانون ظاهرة الاستخدام المرضي