مع اقتراب شهر رمضان، يعود القلق لدى كثيرين حول تأثير الصيام في الطاقة والتركيز خلال النهار. لكن مراجعة علمية واسعة، شملت أبحاثًا امتدت لنحو 70 عامًا، تشير إلى أن هذه المخاوف قد تكون مبالغًا فيها لدى معظم البالغين الأصحاء.
الدراسة، التي تناولت تأثير الصيام عمومًا، جاءت في وقت تحوّل فيه «الصيام المتقطع» إلى اتجاه صحي واسع الانتشار عالميًا، وحاولت الإجابة عن سؤال مهم: هل يمكن الحصول على الفوائد الصحية للصيام من دون التأثير في الأداء الذهني؟
لماذا يلجأ الناس إلى الصيام أصلًا؟
الصيام ليس مجرد اتجاه صحي حديث، بل يعتمد على آلية بيولوجية قديمة تطورت لمساعدة الإنسان على التكيف مع فترات نقص الطعام.
عند تناول الطعام بانتظام، يعتمد الدماغ بشكل أساسي على الغلوكوز كمصدر للطاقة، والذي يُخزن في الجسم على شكل غليكوجين. لكن بعد نحو 12 ساعة من دون طعام، تبدأ هذه المخزونات في الانخفاض، فيتحول الجسم إلى آلية مختلفة، إذ يبدأ بتكسير الدهون لإنتاج ما يُعرف بأجسام الكيتون، مثل «الأسيتوأسيتيت» و«بيتا-هيدروكسي بيوتيرات»، التي توفر مصدرًا بديلًا للطاقة للدماغ.
ترتبط هذه المرونة الأيضية بعدد من الفوائد الصحية المحتملة، منها:
-تنشيط عملية الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي عملية تنظيف خلوية تزيل المكونات التالفة وتعيد تدويرها، ويُعتقد أنها تدعم الشيخوخة الصحية.
-تحسين حساسية الإنسولين، ما يساعد الجسم على تنظيم سكر الدم بشكل أفضل وتقليل خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
-تقليل احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة المرتبطة بالإفراط في تناول الطعام.
ماذا تقول الأدلة حول تأثير الصيام في الدماغ؟
رغم هذه الفوائد، يقلق كثيرون بشأن الصيام خوفًا من تراجع الأداء الذهني بسبب نقص الطعام. وللإجابة عن هذا القلق، أجرى الباحثون تحليلًا يجمع نتائج دراسات متعددة، شمل جميع الأبحاث التجريبية المتاحة التي قارنت الأداء المعرفي للأشخاص أثناء الصيام وبعد تناول الطعام.
وفق ما نُشر في ScienceAlert، شملت المراجعة:
-63 مقالًا علميًا
-71 دراسة مستقلة
-3484 مشاركًا
-222 مقياسًا مختلفًا للأداء المعرفي
-أبحاثًا امتدت من عام 1958 حتى 2025
بعد تحليل النتائج، كانت الخلاصة واضحة: لم يظهر أي فرق مهم في الأداء الذهني بين البالغين الأصحاء في حالة الصيام أو بعد تناول الطعام.
أظهر المشاركون أداءً متشابهًا في اختبارات:
-الانتباه
-الذاكرة
-الوظائف التنفيذية
سواء أكانوا قد تناولوا الطعام أخيرًا أم لا.
متى قد يؤثر الصيام في الأداء الذهني؟
مع ذلك، كشفت التحليلات عن ثلاثة عوامل قد تغيّر التأثير:
1. العمر
لم يُلاحظ أي تراجع ذهني لدى البالغين، لكن الأطفال والمراهقين أظهروا أداءً أضعف عند تخطي الوجبات، ما يشير إلى أن الدماغ النامي أكثر حساسية لتغيرات الطاقة. وهذا يدعم التوصيات التقليدية بضرورة تناول الأطفال وجبة الإفطار قبل المدرسة.
2. مدة الصيام
ارتبطت فترات الصيام الأطول بفجوة أقل بين الأداء في حالتي الصيام والشبع، وربما يعود ذلك إلى التحول الأيضي نحو استخدام الكيتونات كمصدر طاقة ثابت للدماغ.
3. توقيت الاختبارات
كان أداء الصائمين أضعف نسبيًا عندما أُجريت الاختبارات في وقت متأخر من اليوم، ما يشير إلى أن الصيام قد يعزز الانخفاض الطبيعي في الطاقة المرتبط بالإيقاع اليومي للجسم.
كما تبيّن أن نوع المهمة الذهنية يلعب دورًا؛ فعند استخدام رموز أو أشكال محايدة، كان الأداء متساويًا أو أفضل قليلًا لدى الصائمين، لكن عند وجود إشارات مرتبطة بالطعام، تراجع الأداء، ما يدل على أن الجوع لا يسبب «ضبابًا ذهنيًا» شاملًا، لكنه يزيد التشتت عند التفكير في الطعام.
ماذا تعني هذه النتائج في الحياة اليومية؟
بالنسبة إلى معظم البالغين الأصحاء، تقدم النتائج رسالة مطمئنة: يمكن تجربة الصيام المتقطع أو غيره من أنماط الصيام من دون القلق من فقدان الحدة الذهنية.
لكن الصيام ليس مناسبًا للجميع بالضرورة. فالأطفال والمراهقون، أو الأشخاص الذين تتطلب وظائفهم يقظة عالية في أوقات متأخرة من اليوم، أو من يتعرضون باستمرار لمحفزات الطعام، قد يجدون الصيام أكثر صعوبة.
كما أن بعض الفئات، مثل المصابين بحالات طبية معينة أو ذوي الاحتياجات الغذائية الخاصة، قد تحتاج إلى استشارة مختص قبل اتباع الصيام.
جريدة الأخبار
ضرورة الحد من السكريات والحلويات الرمضانية والمشروبات المحلاة،
يحفز الصيام إنتاج الإندورفين في الجسم
الانخفاض الحاد في معدلات الغلوكوز في الجسم قد يسبب مشكلات خطيرة في الكلى

2026 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال