لمَ تقاطع أخاك؟

 

تشهد العلاقة بين عايدة وأخيها الأصغر قطيعةً بسبب زوجته، تقول: «تغار زوجة أخي منّا جميعًا، وهي تلومه باستمرار على ممازحته لنا ولأولادنا والاهتمام بنا، كما على مساعدته لنا في بعض الأحيان، بل وتفتعل المشاكل معه ممّا اضطرّه إلى أن يجافينا ويبتعد عنّا رويدًا رويدًا كي يتجنّب الخلافات التي كادت أن تهدم بيته، حتّى تطوّر الأمر إلى القطيعة بشكلٍ تامّ!».

هذا سبب من أسباب الخلافات الكثيرة والقطيعة بين الأرحام، التي سنستعرض بعض أشكالها وأسبابها وسبل تجنّبها.

 

مظاهر الصلة وآثارها

قبل أن نخوض في تفاصيل هذه المشكلة، من الجيّد الإطلالة أوّلًا على أهميّة صلة الرحم، باعتبارها ارتباطًا روحيًّا وعاطفيًّا وسنّة إلهيّة أودعها اللّه في فطرة الإنسان، فأنبتت في القلوب روابط ودٍّ وتراحم وحبّ تُرجمت في العلاقات الإنسانيّة، وبالأخصّ مع ذوي الأرحام. وبناءً عليه، أوصى الله سبحانه بصلة الرحم ونهى عن قطيعتها. وجاء الدين الإسلاميّ بقرآنه وشريعته ليؤكّد أهميّة الموضوع، فحثّ على بناء أواصر علاقات طيّبة مع الأرحام من خلال الاهتمام بشؤونهم، وحذّر من القطيعة والقسوة والكراهيّة والبُعد، وربطها بعواقب وخيمة وصلت حدّ اللّعنة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد:25).

تتلخّص أشكال صلة الرحم بزيارة الأقارب وحُسن استضافتهم بما يليق بهم، وتفقّدهم والسؤال عنهم ولو عبر إجراء اتّصال هاتفيّ إذا كانوا بعيدين، وتوقير كبيرهم، ورحمة ضعيفهم، وتحفيزهم، والإعلاء من شأنهم، إضافةً إلى مشاركتهم أفراحهم بالتهنئة والمساعدة وأتراحهم بالمواساة والتعزية، ناهيك عن عيادة مرضاهم والدّعاء لهم، ومحاولة إصلاح ذات بينهم عبر تقريب وجهات النظر، وتقديم الخدمات لهم ومساعدتهم مادّيًّا بقدر ما يتيسّر، سواء على شكل صدقة أو هديّة، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «صدقتك على الفقير صدقة، وعلى الأقرباء صدقتان، لأنّها صدقة وصلة الرحم»(1).

ونظرًا لأنّ صلة الرحم هي امتثال لأمر الله، فقد قابلها تعالى بأجر كبير، ولها آثار تتمثّل في زيادة العمر، وبسط الرزق، ونفي الفقر، وإعمار الديار، وتهوين سكرات الموت، والوقاية من ميتة السوء، إلخ.

 

أسباب قطيعة الرحم

إنّ قطيعة الرحم بما تعني من قطع التواصل مع الأقارب وعدم الإحسان إليهم والتجاوز عن سيئاتهم، يترتّب عليها ذنب عظيم، لأنّها تفصم الروابط وتشيع العداوة وتزيل الألفة والمودّة.

وفي البحث عن أسباب هذه القطيعة نلاحظ أنّها كثيرة، مثل التكبّر على الأقارب عند نيل مركز مهمّ أو سعة مادّيّة، وقلّة الاهتمام بالزّائر وتوجيه العتاب الذي يضيق به الصدر، وخجل الفرد من أرحامه خصوصًا إذا كان مستواهم الاجتماعيّ لا يليق به، والبخل والخوف الزائد من استدانة الأقارب للمال منه إن كان ذا سعة، وقلّة التقوى وعدم الخوف من عواقب القطيعة، والعداوة نتيجة مشاكل قديمة متوارثة تمتدّ لسنوات بين الأخ وأخيه مثلًا؛ ممّا يؤدّي إلى عدم زيارة الأبناء أعمامهم أو أقاربهم، وكذلك شراكات العمل بين الأقارب القائمة على المجاملة بدلًا من الوضوح والصراحة، وتأخير تقسيم الميراث. ولعلّ النميمة وسوء الظنّ والحسد والغيرة والسخرية والاستهزاء هي من الآفات الفتّاكة المستشرية في عروق المجتمع بشكلٍ عام وأفراد العائلات بشكلٍ خاصّ، والتي من شأنها فكّ أواصر العلاقات والقرابات وبثّ البلبلة والافتراء والكذب، وبالتالي، انتشار العداوة والبغضاء. أضف إلى ما سبق التسويف بزيارة الأقارب، وعدم مشاركتهم في مناسباتهم. ولا ننسى أيضًا دور وسائل التواصل الاجتماعيّ التي ساهمت في زيادة الشرخ بين الأرحام.

 

«هم السبب»

تخبرنا فاطمة، الفتاة العشرينيّة، قصّة قطيعتها لأولاد أعمامها، فتعتبرهم السبب في ذلك، فتقول: «اكتشفت أنّهم كانوا ينقلون عن لساني أحاديث لا صحّة لها أبدًا بداعي خلق العداء والكره لي من دون أي مبرّر. لا أفهم سبب تصرّفهم هذا، فأنا لم أسعَ إلى أذيّتهم أبدًا، فقرّرت عندها مقاطعتهم لأنّني وجدت في ذلك راحة لي»، تقول ذلك وعيناها قد اغرورقتا بالدموع.

 

«العمل أبعدني عن العائلة»

يحكي محمّد عن علاقته المحدودة جدًّا بأفراد عائلته، إذ إنّ انشغاله بعمله يجعله ينعزل عن الوسط العائليّ، فيفضّل عندما يتوفّر له بعض الوقت أن يستغلّه بالراحة والاستجمام. «إنّ الانشغال بأعمالي والتكاسل عن التواصل مع الأقارب حتّى هاتفيًّا جعلني أنقطع لا إراديًّا عن العائلة»، يقول مبرّرًا.

 

الالتزام بتوصيات الله

للوقوف عند هذه المشكلة الاجتماعيّة الدينيّة، التقينا سماحة الشيخ عبد المنعم قبيسي، الذي استهلّ حديثه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1)، وقوله أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ (الرعد:21)، ثمّ أضاف: «إنّ ما يجب أن يشدّ الإنسان نحو الحفاظ على صلة الرّحم ليس كسب رضى الأرحام، وليست أيضًا تلك الآثار الإيجابيّة التي تترتّب على صلة الرّحم والتي تشكّل ضمانًا وأمانًا في الدنيا والآخرة، مع أهميّتها طبعًا، من طول العمر وزيادة الرزق ودفع البلاء وقبول الأعمال ويسر الحساب وغيرها، وإنّما مراعاة دافع الحرص على هذه الصّلة لما يعود بالخير على نفسه أوّلًا، أي أن يكون هو ملتزمًا بتوصيات الله عزّ وجلّ الذي يحبّ من يصل رحمه، ونبيّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمر بذلك أيضًا. هذا الالتزام في نفسه له بركاته ووجوه الخير فيه، وجانب من بركاته هو الفوائد والخيرات التي ذكرتها، وجانبٌ آخر هو تطويق الآثار السلبيّة التي تترتّب على قطيعة الرّحم مثل عدم قبول الأعمال كافّة وعدم دخول الجنّة وقصر العمر وغيرها».

 

التحلّي بالكمالات الأخلاقيّة

كيف السبيل إلى التمسّك بالعلاقات بين الأرحام؟ يجيب سماحة الشيخ: «إنّ عدم التعلّق بالدّنيا وزينتها ينتج كمالات نفسيّة وأخلاقيّة؛ فالزهد والسخاء والغبطة والتّواضع وعدم التكبّر والحسد والغيبة وسوء الظنّ، كلّها صفات تُكسب الإنسان ملكة التّسامح والعفو والمروءة، فلا يلجأ عندها إلى الاستغابة أو إلى أيّ تصرّف آخر سيّئ، بل يكون أكثر حاجةً إلى إيصال النفع للآخرين وعلى رأسهم الأرحام. وبذلك، يُحسن إلى المسيء منهم، ويتجاوز عن الأخطاء التي تقود إلى الخلاف والخصومة، ولا يعاملهم بالمثل؛ فيتّصل بهم ويسأل عن أحوالهم حتّى لو كانوا لا يتّصلون، ويزورهم حتّى إذا كانوا لا يزورونه، ويتفقّد أحوالهم ولو كانوا لا يتفقّدون أحواله».

 

توصيات لتجنّب القطيعة

يتوجّه سماحته إلى جميع الحريصين على صلة الرحم ببعض التوصيات:

1. العمل وفق ما يقرّب الإنسان إلى الله باتّخاذ الموقف الذي يرضيه عزّ وجلّ عنه، فتكون غايته أن يتّخذ من الأرحام معبرًا للوصول إلى الله وتحصيل الكمال الذاتيّ. وأمام هذا الهدف، لا يشعر الإنسان بالذلّ والمهانة عند تجرّع مرارة الصلة بقاطعه، بل يشعر بالراحة النفسيّة والشهامة لأنّه يحافظ على الأصالة الإيمانيّة في إدارة الأفعال وردّات الفعل.

2. الرقابة على النفس كي لا يقع الفرد في مستنقع القطيعة التي تطال تداعياتها السلبيّة أفراد العائلة.

3. الحذر من اتّخاذ قرارات متسرّعة تؤدّي إلى الغضب والإساءة للآخرين.

4. التفكير بالخسائر التي تنجم عن هذه القطيعة، خصوصًا لناحية امتدادها إلى الأبناء، وهذا يؤدّي إلى فساد كبير في المجتمع الإنسانيّ.

 

«الله يلعن الشيطان»

في الختام، نضع بين أيديكم قرّاءنا الأعزّاء قصّة أخرى من قصص المشاكل بين الإخوة، علّها تكون حافزًا لحلّ الخلافات والتجاوز عن السيّئات، يرويها لنا الحاج أحمد، فيقول: «كانت تربطني بأحد إخوتي الأصغر منّي سنًّا علاقة طيبّة للغاية، فهو الأقرب إلى قلبي وعقلي من بين إخوتي جميعًا، إلى حين عاتبته يومًا بخصوص أمر شخصيّ، فلم يتقبّل الأمر أبدًا، بل أظهر ردّ فعل سلبيّ لم أتوقّعها مطلقًا! أوَليس العتاب بين الإخوة شيئًا طبيعيًّا؟ أوَليس العتاب على قدر المحبّة؟ هكذا يقولون، ولكن مع أخي لم يكن الأمر كذلك!

أنهينا حديثنا، ومنذ ذلك اليوم لم يعد يتّصل بي عبر الهاتف، أو يبعث لي بتسجيل صوتيّ، أو حتّى يرسل لي تلك الصور المتألّقة التي يصبّحني بها كلّ يوم بكلمات جميلة! انزعجت للغاية، فقرّرت معاملته بالمثل. دامت القطيعة بيننا فترة طويلة، وكنت كلّما فكّرت في أن أبادر بالصلح أتراجع فورًا، إذ كيف بي وأنا أخوه الأكبر أن أتنازل عن كبريائي، خصوصًا أنّي لم أخطئ بحقّه؟! وماذا لو هاتفته ولم يردّ عليّ؟ هنا الطامّة الكبرى! بهذا كنت أحدّث نفسي. هذا وقد حاولت ابنتي مرارًا وتكرارًا إقناعي بالاتّصال به لوضع حدّ لذلك الخلاف إلّا أنّني ما كنت أتجاوب معها.

في السنة الماضية، استغلّت ابنتي شهر رمضان لتعود وتطرح عليّ فكرة الصلح، قائلة: «من قال لك إنّك إذا بادرت بالصلح ستحطّ من قيمتك؟ بل على العكس، سوف تزداد قيمتك عند الله، وهذا هو الأهمّ. ضع كبرياءك جانبًا واستغلّ هذا الشهر المبارك لتصل من قطعك، وكن على ثقة بأنّ الثواب الذي ستناله سيكون كبيرًا جدًّا، وحتمًا سوف يرضى عنك الله». وبالفعل، أرسلت رسالة صوتيّة لأخي أسلّم فيها عليه وأسأله عن أحواله، فما كان منه إلّا أن ردّ عليّ بسرعة بحبّه ولهفته المعهودَين. تبيّن لي أنّه كان يدرك حجم الخطأ الذي اقترفه، فخجل من معاودة الحديث معي، وانتظر منّي أيّ إشارة أو مبادرة حتّى تحلّ المسألة بيننا. ومنذ ذلك الوقت، عادت المياه إلى مجاريها والعلاقات بيننا إلى طبيعتها، بل إلى أفضل من سابق عهدها، و(الله يلعن الشيطان)!

 

 

تحقيق: زهراء عودي شكر - مجلة بقية الله

 

مواضيع مرتبطة

كلمات مفتاحية

ارشادات_أُسرية